الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فإن على الأب أن يسوي بين أبنائه وبناته في الهبة، ولا يجوز له أن يفضل بعضهم على بعض -على الراجح من أقوال أهل العلم- إلا لمسوغ شرعي، وقد سبق بيان ذلك وأدلته في الفتوى رقم: 59521، والفتوى رقم: 6242، نرجو أن تطلع عليهما وعلى ما أحيل عليه فيهما.
ولذلك فما فعله والدكم من تمليك كل واحد من أبنائه شقة يعتبر تصرفاً صحيحاً، ولا يحق لأختكم الانفراد بأخذ إيجار الشقة التي تم الاتفاق على استبدالها لها بشقة أخرى، إلا إذا كان ذلك برضى الجميع وطيب أنفسهم وكانوا رشداء بالغين، وأما النسب التي ذكرت أن أباكم قد وهبها للإخوة من الشركة، فإن كان قصدك إخوة السائل (أبناء الميت) فإن هذه الهبة لا تصح لما قدمنا من وجوب التسوية بين الأبناء، وأما إن كان قصدك أنهم إخوة لأبيكم وقد وقعت الهبة في حال صحته وأهليته للتصرف وتمت حيازتها من قبلهم قبل وفاته... فإنها تعتبر هبة صحيحة ويتم بموجبها تملكهم لتلك النسب، وبذلك يكون الباقي من الشركة بعد الهبة تركة بين أبنائه وزوجته.
وأما ما اشتراه باسم والدتكم (زوجته) أو كتبه باسمها فإن كان على سبيل الهبة لها وتمت حيازته من قبلها قبل موته فإنه يعتبر ملكاً لها بموجب الهبة الصحيحة، أما إذا لم تتم حيازتها له من قبل موته أو لم تكن هبة ناجزة بحيث تتوقف على موته فإن هذا بمنزلة الوصية، والوصية لا تصح لوارث، وفي هذه الحالة فإنها تعتبر تركة وتقسم مع ما ترك والدكم على جميع ورثته، وأما المحل الذي كتبه للأخ فإن كان من أبنائه فإنه لا يصح أن يخصه بهبة دون مسوغ لما تقدم، وعلى ذلك فإن المحل يرد إلى عموم التركة ويقسم معها على جميع الورثة، وإن كان المقصود أنه أخ للميت فإن ذلك يعتبر بمنزلة الوصية فيكون له ما لم تتجاوز قيمته ثلث التركة أو يرضى الورثة بما زاد على الثلث إذا كانوا رشداء بالغين.
ثم إننا ننبه السائل إلى أن أمر التركات أمر خطير جدا وشائك للغاية، وبالتالي، فلا يمكن الاكتفاء فيه ولا الاعتماد على مجرد فتوى أعدها صاحبها طبقا لسؤال ورد عليه، بل لا بد من أن ترفع للمحاكم الشرعية كي تنظر فيها وتحقق، فقد يكون هناك وارث لا يطلع عليه إلا بعد البحث، وقد تكون هناك وصايا أو ديون أو حقوق أخرى لا علم للورثة بها، ومن المعروف أنها مقدمة على حق الورثة في المال، فلا ينبغي إذاً قسم التركة دون مراجعة للمحاكم الشرعية إذا كانت موجودة، تحقيقا لمصالح الأحياء والأموات.
والله أعلم.