الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فإذا عرف أن الحكومة قد ظلمت أصحاب الأرض ولم تعطهم حقوقهم فلا يجوز شراء قطاع الأرض منها لما في ذلك من إعانتها على الإثم والعدوان المحرمين بقوله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. { المائدة الآية2}، بل المطلوب نصيحتها لترد الحقوق إلى أهلها أو تعوضهم بما يرضيهم، وإذا عرف عدم ظلمها لهم فلا حرج في الشراء منها.
وأما الشراء بالطريقة المذكورة فلا يصح لأمرين:
الأول: فيه بيع العربون وهو ممنوع عند أكثر أهل العلم.
والثاني: الجهالة في الجزء المشترَى، وقد جاءت الشريعة بحرمة بيع المجهول لما يفضي إليه من الخصام والشقاق.
وإليك التفصيل:
أما عدم صحة بيع العربون عند أكثر أهل العلم فلأدلة استندوا إليها قد ذكرناها في الفتوى رقم: 5387.
وأما عدم صحة بيع الجهالة فلنهي النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، ومنها ما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعا يتبايع به أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها. ومن أسباب النهي عن هذا البيع الجهالة التي تفضي إلى الشقاق والخصام والظلم؛ كما صرح به النووي وغيره من شراح الحديث، وهي متحققة هنا، فإنه قد يكون نصيب الشخص في مكان لا يرغب فيه مطلقا، وقد اشترط عليه أيضا أنه لو رفض ذهب ماله الذي دفعه مقدما فيقع عليه الظلم، وقد نص جماعة من أهل العلم على بطلان بيع جزء محدد بالذرع ونحوه لا بالمكان من أرض أو دار، قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: وإن باعه ذراعا من الدار، أو عشرة أذرع منها، يريدان بذلك قدرا غير مشاع، لم يصح. وقال بعد ذلك بقليل: وإن اتفقا على أنهما أرادا قدرا منها غير مشاع، لم يصح البيع . وإن كانا لا يعلمان ذرعان الدار لم يصح، لأن الجملة غير معلومة، وأجزاء الأرض مختلفة فلا يمكن أن تكون معينة ولا مشاعة .
وأما بيع جزء مشاع منها كربعها أو ثمنها دون تحديد جزء يعين بعد ذلك فيجوز ويملك جزءا من كل جزء منها وهذا معنى قولهم: مشاع.
ولو أجبرت الحكومة أصحاب الصناعات على أن تكون محلاتهم في ذلك المكان حصرا فهي المتحملة للوزر إذا لم يمكنهم التخلص من ذلك.
والله أعلم.