خلاصة الفتوى: الذي يجب اتباعه هو الدليل من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ونحو ذلك.. وآيات الله معجزاته وأدلة ربوبيته ووحدانيته وقدرته.
فإنك أردت أن تبني جميع أسئلتك على الفقرة الأخيرة من الفتوى التي أشرت إلى رقهما، والتي جاء فيها أن سبب اتشار المذاهب الأربعة المذكورة دون سواها هو أن الله تعالى قيض لأئمتها من حمل علمهم باستفاضة وتلقت الأمة ذلك بالقبول، ولم يحصل ذلك لمن سواهم ممن كان في عصرهم أو بعده من الأئمة كالليث والأوزاعي والسفيانين وغيرهم... وهذه الفقرة كانت جوابا على فقرة من السؤال، وهي أن المذاهب الفقهية كثيرة وليست فقط مذاهب الأئمة: (مالك والشافعى وأحمد وأبي حنيفة) التي قدر لها الانتشار.
وأما هذه الأسئلة الكثيرة التي أردت تفريعها على هذه الفقرة من الإجابة فإننا سنجمل الكلام عليها في شيء واحد يشملها كلها، وهو أن الأصل هو اتباع الدليل من الكتاب والسنة، فما كان موافقا للدليل من أقوال العلماء هو الأولى في الأخذ به بغض النظر عن قائله، وهذا ما أوصى به الأئمة الأربعة وغيرهم.
وذلك لأن الواجب على المسلم هو طاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والعلماء العاملين بالكتاب والسنة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ {النساء: 59}.
وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب عليه التزام مذهب معين؛ لأن كل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم هذا الذي أردت أن تستنبطه من تكرر عبارة: (ومن آياته ...) في سورة الروم فإنه ليس على ما تصورته، فالآية في اللغة هي العلامة، وآيات الله عجائبه وأدلة ربوبيته. جاء في اللسان لابن منظور: الآية: العلامة.. قال أبو بكر: سميت الآية من القرآن آية لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام. ويقال: سميت الآية آية لأنها جماعة من حروف القرآن. وآيات الله: عجائبه. وقال ابن حمزة: الآية من القرآن كأنها العلامة التي يفضى منها إلى غيرها كأعلام الطريق المنصوبة للهداية كما قال: إذا مضى علم منها بدا علم والآية: العلامة..
وفي تفسير القرطبي: قوله تعالى: ومن آياته أن خلقكم من تراب. أي من علامات ربوبيته ووحدانيته أن خلقكم من تراب، أي خلق أباكم منه والفرع كالأصل...
والله أعلم.