ويلخص شيخ الإسلام ابن تيمية هذا التطور في تلك المرحلة بقوله:"في أواخر عصر التابعين حدث ثلاثة أشياء: الرأي، والكلام، والتَّصوف، فكان جمهور الرأي في الكوفة، وكان جمهور الكلام والتَّصوف في البصرة، فإنه بعد موت الحسن وابن سيرين ظهر عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وظهر أحمد بن علي الهجيمي ت200، تلميذ عبد الواحد بن زيد تلميذ الحسن البصري، وكان له كلام في القدر، وبنى دويرة للصوفية، وهي أول ما بني في الإسلام أي دارًا بالبصرة غير المساجد للالتقاء على الذكر والسماع- صار لهم حال من السماع والصوت- إشارة إلى الغناء. وكان أهل المدينة أقرب من هؤلاء في القول والعمل، وأما الشاميون فكان غالبهم مجاهدين".
بداية ظهور مصطلح التَّصوف:
لفظ التَّصوف والصوفية لم يكن معروفا في صدر الإسلام وإنما هو محدث بعد ذلك أو دخيل على الإسلام من أمم أخرى. وذكر ابن تيمية وسبقه ابن الجوزي وابن خلدون في هذا أن لفظ الصوفية لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة الأولى. (1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى:"أما لفظ الصوفية فإنه لم يكن مشهورًا في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك، وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ، كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي سليمان الداراني وغيرهما. وقد روي عن سفيان الثوري أنه تكلم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري".
وأول ما ظهرت الصوفية في البصرة، وأول من ابتنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن، وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر أهل الأمصار. واشتهر الفقه بالكوفة والتَّصوف بالبصرة.
(1) - الصوفية والفقراء لشيخ الإسلام بن تيمية ص 5، ط القاهرة, أيضا مقدمة ابن خلدون ص 467, تلبيس إبليس لابن الجوزي ص157، دار القلم بيروت لبنان.