: فإن الإنسان إذا كان فيه عضو فاسد ، لا علاج له إلا بقطعه كله أو بعضه ، فلا مناص من الإقدام على ذلك . وهذا الطبيب الذي يستأصل بمبضعه المرهف هذا العضو الفاسد من جسم أخيه ؛ أليس ضربه المبضع في لحمه ، وقطعه الجزء الفاسد من جسمه مظهرًا من مظاهر القسوة ؟! ولكنها قسوة هي عين الحكمة والرحمة والمصلحة ، وبخاصة إذا قيست بما يترتب على تركها من هلاك وتلف ، وما ينشأ عنها من آلام وأوجاع تفوق مصلحة بقائها . والمجتمع هو الجسم كله ، وما الفرد الفاسد إلا عضو من أعضائه (1) .
فهي تحفظ للمجتمع حقه ، ولا تضحي به في سبيل الأفراد الخارجين عليه . والعقوبة التي تحابي هؤلاء الأفراد على حساب الجماعة ؛ إنما تضيع مصلحة الفرد والجماعة معًا ؛ لأنها تؤدي إلى ازدياد الجرائم واختلال الأمن ، وانحلال المجتمع ، وإذا دبَّ الانحلال في مجتمع ، فقل على الأفراد وعلى المجتمع العفاء (2) .
قال عز الدين بن عبد السلام: « وربما كانت أسباب المصالح مفاسد ، فيؤمر بها أو تباح ؛ لا لكونها مفاسد ، بل لكونها مؤدية إلى المصالح ، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة ، حفظًا للأرواح ، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد . وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد ، بل لأدائها إلى المصالح المقصودة من شرعها ، كقطع السارق ، وقطّاع الطريق ، وقتل الجناة ، ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم ، وكذلك التعزيرات ، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية » (3) .
أما الشريعة الإسلامية فإنها في عقوباتها متوسطة لا إفراط ولا تفريط خاصة عندما تطبق بأمانة وعدالة، فإنَها تؤثر تأثيرا بالغًا في التقليل من الإجرام والحد منه.
(1) انظر: حد السرقة بين الإعمال والتعطيل ص 209 ، وأثر تطبيق الحدود في المجتمع ، ص 169 .
(2) انظر: التشريع الجنائي الإسلامي ، 1/644 .
(3) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ، ص 35 - 36 ، الطبعة القديمة ، 1/12 .