وما يزال هذا القرآن بين أيدي الناس ، قادرًا على أن ينشئ بآياته تلك أفرادًا وفئات تمحو وتثبت في الأرض بإذن الله ما يشاء الله . . ذلك حين تستقر هذه الصور في القلوب ، فتأخذها جدًا ، وتتمثلها حقًا . حقًا تحسه ، كأنها تلمسه بالأيدي وتراه بالأبصار . .
ويبقى أن أتوجه أنا بالحمد لله على رحمة منه خاصة عرفتها منه في هذه الآية . .
لقد واجهتني هذه الآية في هذه اللحظة وأنا في عسر وجهد وضيق ومشقة . واجهتني في لحظة جفاف روحي ، وشقاء نفسي ، وضيق بضائقة ، وعسر من مشقة . . واجهتني في ذات اللحظة . ويسر الله لي أن أطلع منها على حقيقتها . وأن تسكب حقيقتها في روحي؛ كأنما هي رحيق أرشفه وأحس سريانه ودبيبه في كياني . حقيقة أذوقها لا معنى أدركه . فكانت رحمة بذاتها . تقدم نفسها لي تفسيرًا واقعيًا لحقيقة الآية التي تفتحت لي تفتحها هذا . وقد قرأتها من قبل كثيرًا . ومررت بها من قبل كثيرًا . ولكنها اللحظة تسكب رحيقها وتحقق معناها ، وتنزل بحقيقتها المجردة ، وتقول: هأنذا . . نموذجًا من رحمة الله حين يفتحها . فانظر كيف تكون!
إنه لم يتغير شيء مما حولي . ولكن لقد تغير كل شيء في حسي! إنها نعمة ضخمة أن يتفتح القلب لحقيقة كبرى من حقائق هذا الوجود ، كالحقيقة الكبرى التي تتضمنها هذه الآية . نعمة يتذوقها الإنسان ويعيشها؛ ولكنه قلما يقدر على تصويرها ، أو نقلها للآخرين عن طريق الكتابة . وقد عشتها وتذوقتها وعرفتها . وتم هذا كله في أشد لحظات الضيق والجفاف التي مرت بي في حياتي . وها أنا ذا أجد الفرج والفرح والري والاسترواح والانطلاق من كل قيد ومن كل كرب ومن كل ضيق . وأنا في مكاني! إنها رحمة الله يفتح الله بابها ويسكب فيضها في آية من آياته (1) .
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (الأعراف: من الآية156)
من آثار رحمته - عز وجل - في الكون:
قال - عز وجل - بسم الله الرحمن الرحيم
(1) في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 134:131)