فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 1101

لا جرم أن الله تعالى خصّ الشريعة الإسلامية بوصف الرحمة الكاملة . وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى فيما حكاه خطابًا منه لموسى - عليه السلام: { ورَحمتي وسِعت كل شيء فسأكتبها للذين يتّقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } [ الأعراف: 156/157 ] الآية . ففي قوله تعالى: { وسعت كل شيء } إشارة إلى أن المراد رحمة هي عامة فامتازت شريعة الإسلام بأن الرحمة ملازمة للناس بها في سائر أحوالهم وأنها حاصلة بها لجميع الناس لا لأمة خاصة .

وحكمة تمييز شريعة الإسلام بهذه المزية أن أحوال النفوس البشرية مضت عليها عصور وأطوار تهيأت بتطوراتها لأن تُساس بالرحمة وأن تدفع عنها المشقة إلا بمقادير ضرورية لا تُقام المصالح بدونها ، فما في الشرائع السالفة من اختلاط الرحمة بالشدة وما في شريعة الإسلام من تمحّض الرحمة لم يجر في زمن من الأزمان إلا على مقتضى الحكمة ، ولكن الله أسعد هذه الشريعة والذي جاء بها والأمة المتبعة لها بمصادفتها للزمن والطور الذي اقتضت حكمة الله في سياسة البشر أن يكون التشريع لهم تشريع رحمة إلى انقضاء العالم .

فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر . قال تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [ الحجّ: 78 ] وقال تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة: 185 ] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -"بُعثت بالحنيفية السمحة". وما يتخيل من شدة في نحو القِصاص والحدود فإنما هو لمراعاة تعارض الرحمة والمشقة كما أشار إليه قوله تعالى: { ولكم في القصاص حياة } [ البقرة: 179 ] فالقصاص والحدود شدة على الجناة ورحمة ببقية الناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت