قوله تعالى: {و َمَآ أَرْسَلْناَكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أرسل هذا النَّبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم. لأنه جاءهم بما يسعدهم وينالون به كل خير من خير الدنيا والآخرة إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى.وضرب بعض أهل العلم لهذا مثلًا قال: لو فجر الله عينًا للخلق غزيرة الماء، سهلة التنازل. فسقى الناس زروعهم ومواشيهم بمائها. فتتابعت عليهم النعم بذلك، وبقي أناس مفرطون كسالى عن العمل. فضيعوا نصيبهم من تلك العين، فالعين المفجرة في نفسها رحمة من الله، ونعمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها. ويوضح ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} . وقيل: كونه رحمة للكفار من حيث إن عقوبتهم أخرت بسببه، وأمنوا به عذاب الاستئصال (1) . والأول أظهر (2)
(1) وهذا ما ذكره الزمخشري في الكشاف.
(2) قال مقيده عفا الله عنه وعن والديه: ( ويصدق كلام الشيخ رحمه الله الحديث المتفق عليه عن أبي موسى - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(مثل ما ابتعثني الله به من الهدي والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت من أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ،وأصاب منها طائفة أخري إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولاتنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به) - وانظر رحمنا الله وإياك في قوله - صلى الله عليه وسلم - (كمثل غيث) والغيث بنص القرآن والسنة أثر من آثار رحمة الله - عز وجل - -كما مر بنا في من معاني الرحمة في القرآن الكريم والسنة- فحتي المثل المضروب يفيض بالرحمة وفيه تشبيه ( القلوب بالأرض ) و ( العلم والهدي بالماء ) فكما أن حياة الأرض بغيث الماء الذي هو حياة الحيوان والأشباح كذلك حياة القلوب بغيث الرحمة من الهدي.