فهرس الكتاب
على القارئ أن يعيد قراءة هذه النصوص ويتدبرها وسيعلم أن الله تعالي خلق هذه الأمم من الأحياء ، والتي لا يحصيها إلا هو سُبحانه ـ فألهَمهَا وعَلَّمها تسبيحَها ، ولها منطق ( عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ ) لكن الله لم يُعِّمله إلا من شاء من خلقه كداود وسليمان عليهما السلام وكالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ يَهْمس الجَمَلُ في أُذنِه يشكو صَاحبه ، وحديث الهدهد عجب ؛ إذ أنكر علي القوم سجودَهم لغير الله ، وعَلِمَ أن ذلك من تَزْيين الشيطان لهم أن ما هم عليه من السجود للشمس حق ، وعَلِمَ أنهم صُدُّوا عن السبيل فلا يهتدون ، كما عَلِمَ أن سليمان لم يَعْلَم بهذا الأمر برغم تمكينه من كل هذه الجنود من الجن والإنس والطير ، وإلا فلو عَلِمَ سليمان به ما كان يترك المشركين وشأنهم ، فَجَزَمَ الهدهد بأنه لم يُحِطْ بخبرهم فقال ( أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ) ، كما عَلِم الهدهد أن الله وحده يَسْتَحِق السُّجُود والعبادة ، واستدل على ذلك بكمال علم الله بالخَفِيّ الخَبِئ في أقطار السماوات وأنحاء الأرض ، من صغار المخلوقات ، وبذور النباتات والفطريات ، وخفايا الصدور ، كما استدل بأن الله يخرج خَبْأ الأرض والسماء بإنزال المطر ، وإنبات النباتات ، ويُخْرج خبء الأرض عند النَّفخ في الصور ، وإخراج الأموات من الأرض ، ليجازيهم بأعمالهم ، كما استدل بربوبية الله للعرش العظيم الذي هو سقْفُ المخْلُوقات ، ووَسِعَ الأرض والسَّماوات . والمقْصودُ هنا بيان أن هذه الأحْيَاء ليْست بَكْمَاء صَمَّاء لا تعْلَم شيئا ، بل هي كما قد تبيَّن من ذكرها لله وتسبيحها له ، والعجب أنها تُحْشَر إلى ربها للحساب ، سبحان الله العظيم إذ أحصاها وما كان من أشياء تحاسَبُ عليها ، كالنَّعْجة القَرْناء التي يُقتصُّ منها للجلحاء إذ نطحتها القَرْناء ، ثم يقول لها كوني ترابًا فتكون ترابًا ، وفي هذا القدر كفاية حتى لا يطول بنا الحديث في