فهرس الكتاب
فتفتح له أبواب السماء فيجول في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها ثم يفتح له باب بعد باب حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته ويرى السماوات السبع والارضين السبع بالنسبة إليه كحلقه ملقاة بأرض فلاة ، ويرى الملائكة حافين من حوله لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير ، والأمر ينزل من فوقه بتدبير الممالك والجنود التي لا يعلمها إلا ربها ومليكها فينزل الأمر بإحياء قوم وإماتة آخرين ، وإعزاز قوم وإذلال آخرين ، وإسعاد قوم وشقاوة آخرين ، وإنشاء ملك وسلب ملك ، وتحويل نعمة من محل إلى محل ، وقضاء الحاجات على اختلافها وتباينها وكثرتها من جَبْر كسْر وإغناء فقير ، وشفاء مريض ، وتفريج كْرب ومغفرة ذنب وكشف ضر ، ونصر مظلوم ، وهدايةَ حْيران ، وتعليم جاهل ، وردِّ آبق ، وأمان خائف وإجارة مُسْتَجير ومدد لضعيف ، وإغاثة الملهوف ، وإعانة لعاجز ، وانتقام من ظالم ، وكف العدوان ، فهي مراسيم دائرة بْين العدل والفضل والحكمة والرحمة ، تنفذ في أقطار العوالم لا يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على اختلافها وتباينها ، واتحاد وقتها ولا يتبرم بإلحاح الملحين ، ولا تنقص ذرة من خزائنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقا لهيبته ، خاشعا لِعَظَمته ، عانٍ لعزته ، فَيَسْجد بَيْن يدي الملك الحق المبين سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم المزيد فهذا سفر القلب وهو في وطنه وداره ومحل ملكه ، وهذا من اعظم آيات الله وعجائب صنعه ، فَيَاله مِنْ سفر ما أبْرَكه وأرْوَحه واعظم ثمرته وربحه ، واجل منفعته ، واحسن عاقبته ، سفر هو حياة الأرواح ، ومفتاح السَّعَادة ، وغنيمته العقول والألباب ، لا كالسَّفر الذي هو قطعة من العذاب .