فهرس الكتاب
"وأنصاره"يعني: أنصار النبي -عليه الصلاة والسلام- والمراد بهم الأوس والخزرج هما أصحاب هذا اللقب، والرسول هو الذي لقبهم بالأنصار، والله -تعالى- ذكرهم بهذا الوصف، فالله سماهم الأنصار، والرسول سماهم الأنصار - صلى الله عليه وسلم -.
"وأنصاره"أنصار الرسول، أنصار: جمع ناصر أو جمع نصير،"والهاجرون"صوبوها هكذا، بدل مهاجر هاجر، لا يستقيم الوزن إلا هكذا،"وأنصاره والهاجرون ديارهم"... والهاجرون ديارهم، وأنصاره والهاجرون: يريد بذلك المهاجرين والأنصار، وأخر ذكر المهاجرين مراعاة للنظم ولا بأس بهذا؛ فقد جاء على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة " وإلا فالأصل هو تقديم المهاجرين؛ فالمهاجرون مقدمون على الأنصار في القرآن في كل المواضع: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ (( (( (( (( (( (( } [1] {لِلْفُقَرَاءِ (( (( (( (( (( (( (( (} [2] إلى قوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ (( (( (( (( (( } [3] .
"هاجروا"والهجرة معناها الهجر ومعناها الترك، والهجرة بمعنى الترك، والمهاجرون هم الذين فارقوا أوطانهم في سبيل الله، فارقوا أوطانهم نصرة لدين الله وفرارًا بدينهم.
فالمهاجرون هم الذين هاجروا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، جاءوا من شتى الأقطار من مكة ومن غيرها، فاجتمع أهل المدينة أهل البلد وهم الأنصار والضيوف الوافدون المهاجرون {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [4] .
وقد جاءت نصوص في فضل المهاجرين والأنصار، المهاجرون فالقرآن فيه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ (( (( (( (( (( (( } [5] والآيات في سورة"الحشر"قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (( (} [6] .
ومما جاء في فضل الأنصار قوله - صلى الله عليه وسلم - " آيةُ الإيمان حُبُّ الأنصار، وآيةُ النفاق بُغْضُ الأنصار " وقال في الأنصار: " لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق ".
وإذا كان هذا في الأنصار فالمهاجرون من باب أولى، فهم أنصار المعنى، معنى النصرة حاصل للكل ومن الكل، وأنصاره والمهاجرون ديارهم، هجروا ديارهم ... هاجر، ديارَهم مفعول به، يعني: والذين هجروا ديارهم وأموالهم كما قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ (( (( } [7] أثبت لهم صفة النصر: {وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (( (} [8] فأثنى عليهم بطلب فضل الله ورضوانه، وأثنى عليهم بنصرة دينهم، وينصرون الله ورسوله، وأثنى عليهم بالصدق {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (( (} [9] .
يقول الناظم:"وأنصاره والهاجرون ديارهم"أيش اللي بعده .. ؟"بنصرتهم عن كَيَّةِ النار زحزحوا"والشارح السفاريني عنده في"لوائح الأنوار"يقول: بنصرته أو بنصرهم يستقم كذا وكذا، يستقيم أن تقول:
وأنصاره والهاجرون ديارهمُ ... بنصرتِهِ (بنصرتهم)
أي: بنصرتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وبنصرتهم لدين الله.
"بنُصرتهم"أو تقول:"بنَصرهم"يستقيم البيت على كل من العبارتين، والشارح مشى على أنه بهذا اللفظ -يعني- بلا تاء"بنصرهم"أو"بنصرتهم".
بنصرهم أو بنصرتهم عن ظلمة النار زحزحوا، وعندكم"عن كَيَّة النار زحزحوا": يعني زحزحوا النار، المقصود من هذا وذاك أنهم زحزحوا عن النار بنصرهم .. بإيمانهم ونصرهم لدين الله ونصرهم لرسول الله زحزحوا عن النار، بهذا نجوا.
قال - صلى الله عليه وسلم - في أهل بيعة الرضوان: " لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة -لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة- فقالت له حفصة: يا رسول الله، أليس الله يقول: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [10] ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنما ذلك العبور على الصراط ".
"عن كية النار زحزحوا": والزحزحة الإبعاد بشيء من التدرج والدفع شيئًا فشيئًا، زحزح، قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ (( (( (( (( (( الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ (( (( (( (( (( } [11] زُحزح عن النار وأدخل الجنة، ومن زحزح عن النار دخل الجنة، ولكن تمام الفوز الفوز إنما يتم بدخول الجنة، أول الفوز النجاة من النار، والزحزحة عن النار، ومجاوزة النار .. مجاوزة النار، التجاوز، فمن جاوز النار تجاوز كل الأخطار، انتهى، من نجا من النار نجا من كل هم وغم وكرب، وحسرة وشدة، من تجاوز النار نجا من كل مكروه.
ولا شك أن المهاجرين والأنصار لهم الحظ الوافر من ذلك الفضل؛ فهم أولى الناس بالنجاة من النار ودخول الجنة: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا (( (( (( (( (( (} [12] فوعدهم الله الرضوان والفوز بالجنان.
فضل التابعين
(1) - سورة التوبة آية: 100.
(2) - سورة الحشر آية: 8.
(3) - سورة الحشر آية: 9.
(4) - سورة الحشر آية: 9.
(5) - سورة التوبة آية: 100.
(6) - سورة التوبة آية: 100.
(7) - سورة الحشر آية: 8.
(8) - سورة الحشر آية: 8.
(9) - سورة الحشر آية: 8.
(10) - سورة مريم آية: 71.
(11) - سورة آل عمران آية: 185.
(12) - سورة التوبة آية: 100.