فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 132

يقول"وقد ينكر الجهمي"، ينكر ويكذب، الجهمي ينكر ويكذب بأن الله يُرى، فقوله هذا يرجع إلى الأول، هذا هو ... أما ليس بمولود وليس بوالد وليس له شبه؛ فهذا ما ينكره. الجهمي يقول ... يعني هو أيضا يوافق على أن الله ليس بمولود وليس بوالد وليس له شبه، هذا ماشي، لكن يعني لقائل أن يقول: لماذا الناظم أتى بهذا البيت وأقحمه في وسط الأبيات التي يقرر فيها مسألة الرؤية؟ الذي ظهر لي أنه أتى بها بمناسبة قوله:"كما البدر لا يخفى وربك أوضح"كأنه لما صار ... يعني ورد هذا التشبيه جاء بهذا البيت احترازًا، أنه -تعالى- ليس له شبه، وأتى بقول ليس بمولود وليس بوالد -يعني- تكميلًا للمعنى، ولأنها كل هذه الثلاثة جاءت في سورة واحدة وهي سورة الإخلاص.

"قد ينكر الجهمي": يكذب وينكر رؤية العباد لربهم، وفعلا هو الجهمي ينكر هذا، هذه مسألة الرؤية، رؤية العباد أو رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، اختلف فيها الناس؛ فأهل السنة والجماعة -الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة الدين- يؤمنون بأن الله يُرى يوم القيامة، يراه المؤمنون رؤية حقيقية عيانا بالأبصار، يرونه بأبصارهم رؤية مثل رؤيتهم للشمس والقمر -لا إله إلا الله- يرونه كما يشاء -سبحانه وتعالى- وأنكر ذلك الجهمية والمعتزلة والرافضة تبعٌ لهم، أنكروا أن الله يرى، يقولون: الله لا يُرى بالأبصار، مستحيل أن يرى، فكما أنه مستحيل عليه الموت والنوم والآفات كذلك يستحيل عليه أن يرى.

والقول الثالث هو قول الأشاعرة، وهو يقوم على التلفيق كما هو قاعدة مذهبهم، مذهب الأشاعرة يقوم على التلفيق والتخليط؛ فيقول: إنه يرى لا في جهة، يعني لا تقول: إنه يرى من فوق ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف، يُرى وبس، وهذا كلام غير معقول، لكنه حملهم على ذلك نفيهم للعلو عن الله، تعالى الله عن قولهم وغيرهم من المبتدعة علوًا كبيرا.

والمذهب الحق هو مذهب أهل السنة، أنه -تعالى- يراه المؤمنون عيانا بأبصارهم، لكن من غير إحاطة، يرونه من غير إحاطة، والأدلة على هذا كثيرة كقوله -تعالى-: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (( (( } [1] وقوله -تعالى-: {* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [2] وجاء تفسير الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم، وكذلك قوله -تعالى-: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (( (( } [3] وقوله -تعالى- في الكفار: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (( (( } [4] ويستدل بهذا أن المؤمنين بخلاف ذلك، وأنهم لا يحجبون عن الله، بل يرونه سبحانه وتعالى.

واستفاضت السنة في الدلالة على إثبات الرؤية، وجاءت النصوص المستفيضة الكثيرة، ومنها حديث جرير بن عبد الله الذي أشار إليه الناظم، وأما الجهمية فأنكروها وتعلقوا بمثل قوله -تعالى-: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [5] وهي حجة عليهم لا لهم؛ فإن الإدراك المنفي هو الإحاطة، ونفي الإحاطة هو نفي لخاصٍ، ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام؛ فنفي الرؤية التي معها الإحاطة لا يستلزم نفي الرؤية من غير إحاطة، بل نفي الإحاطة بالله رؤيةً يستلزم أنه يرى لكن من غير إحاطة.

واستدلوا بمثل قوله -تعالى- لموسى: {قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى (( (( (( (( (( } [6] وقيل في الجواب يعني: إن هذا ليس نفيًا للرؤية مطلقا، بل نفي لرؤية موسى لربه في ذلك المقام"لن تراني"، قال المجيبون عن هذه الحجة: إن هذه الآية تدل على الرؤية؛ فهي أدل على الرؤية من نفيها. الآية هي أدل على الرؤية منها على نفيها؛ لأن

(1) - سورة القيامة آية: 22 - 23.

(2) - سورة يونس آية: 26.

(3) - سورة ق آية: 35.

(4) - سورة المطففين آية: 15.

(5) - سورة الأنعام آية: 103.

(6) - سورة الأعراف آية: 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت