الصفحة 35 من 49

كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [1] .] يقول الشيخ رحمه الله: إذا عرفت مما سبق أنه لا فرق بين شرك أهل الجاهلية الذي نزل فيه القرآن والذي قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وشرك هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام من عبَّاد القبور وأصحاب الطرق الصوفية المنحرفة ونحوهم لا فرق بين شرك هؤلاء وهؤلاء إلا في الاسم حيث يسمونه الاعتقاد فقط، فاعلم أن شرك هؤلاء المتأخرين المنتسبين إلى الإسلام أشد وأغلظ من شرك المتقدمين من أهل الجاهلية من وجهين:

الأول: أن شرك الأولين إنما يحصل في حال الرخاء وأما في حال الشدة فإنهم يتركون الشرك ويخلصون الدعاء لله لعلمهم أنه لا ينجي من الشدائد إلا الله سبحانه، كما ذكر الله عنهم في الآيات التي ساقها الشيخ وغيرها؛ وأما هؤلاء المشركون المنتسبون إلى الإسلام فشركهم دائم في الرخاء والشدة بل إن شركهم في الشدة يزيد على شركهم في الرخاء، بحيث إذا وقعوا في خطر وشدة، ارتفعت أصواتهم بالشرك ودعاء غير الله.

هذا هو الوجه الأول من وجوه الفرق بين المشركين الأولين ومشركي زماننا.

والوجه الثاني: سيأتي.

[فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين الذي قاتلهم رسول الله يدعون الله تعالى ويدعون غيره في الرخاء وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم تبيّن له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين ولكن، أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟! والله المستعان] يقول رحمه الله: إنه لا يدرك الفرق بين شرك الأولين وشرك المتأخرين في أن شرك المتأخرين أغلظ وأشد، إلا من فهم الآيات القرآنية التي توضح ذلك ومن لم يدرك الفرق فإنه راجع لسوء فهمه.

[والأمر الثاني أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقرّبين عند الله إما أنبياء وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أشجارًا أو أحجارًا مطيعة لله ليست عاصية وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكمون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك] الوجه الثاني: من أوجه الفرق أن المشركين الأولين يدعون أناسًا فيهم صلاح وتقرب إلى الله من الملائكة والأنبياء والصالحين أو يدعون أشجارًا أو أحجارًا ليست عاصية لله. وأما المشركون المتأخرون فيدعون فجرة الخلق وأشدهم كفرًا وفسقًا ممن يزعمون لهم الكرامات وسقوط التكاليف عنهم من ملاحدة الصوفية الذين يستحلون المحرمات ويتركون الواجبات كالبدوي والحلاج وابن عربي وأضرابهم من أئمة الملاحدة، فيعبدونهم وهم يشاهدونهم يفعلون الفواحش ويتركون الفرائض ويزعمون أن هذا من كرامتهم وفضلهم حيث سقطت عنهم التكاليف.

[والذي يعتقد في الصّالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يُشاهد فسقه وفساده ويشهد به] هذه نتيجة المقارنة بين شرك الأولين وشرك المتأخرين المنتسبين إلى الإسلام وهي أن الشرك بعبادة الصالحين والمخلوقات التي لا تعصي أخف من الشرك بعبادة الفجرة والملاحدة والعصاة لأن ذلك يدل على تزكيتهم وموافقتهم على كفرهم وفجورهم واعتباره صلاحًا وكرامة وأي محادة لله أشد من هذه المحادة نسأل الله العافية.

[إذا تحقَّقت أن الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء، فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم فأصغ سمعك لجوابها وهي أنهم يقولون إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذّبون الرسول - صلى الله عليه وسلم - وينكرون البعث ويكذّبون القرآن ويجعلونه سحرًا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟

(1) لقمان:32

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت