الصفحة 16 من 188

بالخلق والإيجاد، كما أن صرف بعض أنواع العبادة لغير الله كالذبح والنذر ونحو ذلك ليس شركًا عندهم كذلك، ما لم يتضمن اعتقاد استحقاق من صرف له ذلك للعبادة.

ص 25

وهذا هو الذي دار فيه الخلاف بين هؤلاء وبين الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، حين ألزمهم أن الشرك في الإرادة كالشرك في الاعتقاد ولا فرق، و أن شرك الإرادة لا يقيد بشرك الاعتقاد، بل هو شرك بذاته.

ولما استقر عندهم أن تلك الأمور إما خطأ في الأسباب لا علاقة لها بالشرك، وإما مجرد معصية لا تصل إلى حد الشرك فقد اتهموه بالتكفير بالمعصية، وأنه خارجي حروري مستحل لدماء المسلمين. ولا يزال الأمر في ذلك على أشده إلى اليوم. ولن ينتهي مادام الخلاف في حقيقة التوحيد قائمًا.

وأما الحقيقة الثانية فهي: بيان منزلة الالتزام الظاهر بالعمل من أصل الدين، وأنه شرط للنجاة في الآخرة، وداخل في حقيقة أصل الدين، و أن نقض الالتزام المجمل في الظاهر بترك العمل بالكلية، أو ترك ما دل الدليل على أن تاركه كافر، أو فعل ما يناقض حقيقة هذا الالتزام كفر أكبر مخرج من الملة. وأنه لا فرق بين ذلك وبين نقض الالتزام الباطن بعدم التسليم لأمر الله والرضى بشريعته، الذي هو كفر المنافقين.

لكن لما استقر عند المرجئة أخيرًا أن الإيمان مجرد اعتقاد بوحدانية الله، واعتقاد حقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ترتب على ذلك أن مجرد نقض الالتزام الإجمالي في الظاهر ليس كفرا بذاته، بل هو معصية يشترط في التكفير بها الاستحلال والجحود الذي لا يعلم بمجرد العناد بالعمل فعلًا أو تركًا، بل لابد من تصريح صاحبه بالنطق بلسانه.

وعلى ذلك فمن ترك العمل بالكلية لا يكون كافرًا عندهم، ويكفيه مجرد الإقرار بالإسلام، كما أن من شرع من دون الله ورفض شريعة الله لا يكون كافرًا بذلك، ما لم يكن مستحلًا جاحدًا معلنًا ذلك بلسانه، وليس هذا مجرد إلزام لهم بل هم قد التزموا بذلك.

ص 26

ومن مجموع النظر في الأمرين السابقين يتبين أن الخلاف بين أهل السنة والمرجئة قائم في حقيقة أصل الدين بركنيه: التوحيد والالتزام الإجمالي بالشريعة، وأن أساس الخلاف بين أهل السنة والمرجئة في التكفير أصله وأساسه الخلاف في هذين الأمرين، وأنه لا مجال للحديث معهم حول ضوابط التكفير وتحديد شروطه وموانعه قبل الاتفاق على حقيقة التوحيد وحقيقة الالتزام الإجمالي بالشريعة.

وأما المحور الثاني للبحث في الموضوع فهو حول تقرير الأصل في ثبوت وصف الإسلام للمعين ابتداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت