فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 166

الثالث: قالوا: إن الله عز وجل نفى رؤيته إطلاقًا، فقال: (( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ) [الأنعام:103] .

الرابع: قالوا: العقل يمنع ويحيل إمكانية رؤيته سبحانه، إذ لو كان سبحانه يُرى للزم أن يكون جسمًا، والجسم ممتنع على الله تعالى؛ لأنه يستلزم التركيب، والتركيب يستلزم التشبيه والتمثيل، فوجب نفي الرؤية.

وأما الرد على هذه الشبه فنقول:

أما الشبهة الأولى وهي قولهم: إن الله لا يرى بل الذي يرى هو (النور) ، فهذا القول باطل، لأنه رد للنصوص الصريحة التي فيها إثبات الرؤية.

فإن الله عز وجل وصف وجهه بأن له نورًا، مثل ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: (إن لله سبعين ألف حجابًا من نور وظلمة، لو كشفها عن وجهه لأحرقت سُبحات وجهه ما أدرك بصره من خلقه) (296) ؛ لذا فإن رؤية الله عز وجل في الدنيا مستحيلة، لأن الحال البشرية لا تقوى على تحمل رؤيته سبحانه وتعالى.

وجاء في كتاب الله عز وجل وصف لا يليق أن يطلق على النور، مثل قوله تعالى: (( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ) ) [الرحمن:27] وهذا وصف متعلق بالوجه، من أن لوجه الله جلالًا وإكرامًا، ولا يمكن أن يقال هذا للنور.

وأما الشبهة الثانية وهي قولهم: إن الله عز وجل قال لموسى: (لن تراني) و (لن) تفيد النفي المؤبد كما في اللغة العربية.

وهذا قول باطل من وجوه:

الأول: أن (لن) ليست للنفي المؤبد، وبرهان ذلك كما قال سبحانه عن المشركين: (( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ) ) [البقرة:95] أي: الموت، ومع ذلك فإن الكفار سيقولون بعد مدة في النار: (( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) ) [الزخرف:77] والكفار لم يتمنوه فقط بل طلبوه، فدل على أن (لن) لا تفيد النفي المؤبد.

ولله در ابن مالك النحوي حين قال:

ومن رأى النفي بلن مؤبدا ……فقوله اردد وسواه فاعضدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت