ومدار كلامهم على أن الرسالة متضمنة لمصلحة العموم علمًا وعملًا، وأما الخاصة فلا . وعلى هذا يدور كلام أصحاب [ رسائل إخوان الصفا ] وسائر فضلاء المتفلسفة .
ثم منهم من يوجب اتباع الأمور العملية من الأمور الشرعية، وهؤلاء كثيرون في متفقهتهم ومتصوفتهم وعقلاء فلاسفتهم . وإلى هنا كان ينتهي علم ابن سينا؛ إذ تاب والتزم القيام بالواجبات الناموسية، فإن قدماء الفلاسفة كانوا يوجبون اتباع النواميس التي وضعها أكابر حكماء البلاد، فلأن يوجبوا اتباع نواميس الرسل أولى . فإنهم ـ كماقال ابن سينا: اتفق فلاسفة العالم على أنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من هذا الناموس المحمدي .
وكل عقلاء الفلاسفة متفقون على أنه أكمل وأفضل النوع البشري، وأن جنس الرسل أفضل من جنس الفلاسفة المشاهير، ثم قد يزعمون أن الرسل والأنبياء حكماء كبار، وأن الفلاسفة الحكماء أنبياء صغار، وقد يجعلونهم صنفين . وليس هذا موضع شرح ذلك، فقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع .
وإنما الغرض أن هؤلاء الأساطين من الفلاسفة والمتكلمين، غاية /ما يقولون هذا القول، ونحن ذكرنا الأمر على وجه التقسيم العقلي الحاصر لئلا يخرج عنه قسم؛ ليتبين أن المخالف لعلماء الحديث علما وعملًا، إما جاهل، وإما منافق، والمنافق جاهل وزيادة، كما سنبينه ـ إن شاء الله ـ والجاهل هنا فيه شعبة نفاق، وإن كان لا يعلم بها فالمنكر لذلك جاهل منافق .
فقلنا: إن من زعم أنه وكبار طائفته أعلم من الرسل بالحقائق، وأحسن بيانًا لها، فهذا زنديق منافق إذا أظهر الإيمان بهم باتفاق المؤمنين، وسيجىء الكلام معه .
وإن قال: إن الرسل كانوا أعظم علمًا وبيانًا، لكن هذه الحقائق لا يمكن علمها، أو لا يمكن بيانها مطلقًا، أو يمكن الأمران للخاصة .
قلنا: فحينئذ لا يمكنكم أنتم ما عجزت عنه الرسل من العلم والبيان .
إن قلتم: لا يمكن علمها .
قلنا: فأنتم وأكابركم لايمكنكم علمها بطريق الأولى .