فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 185 من 219

وقوله تعالى: { وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } أي: لاستحبابه الدنيا على الآخرة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يصبح الرجل مؤمنًا ويمسى كافرًا،ويمسي مؤمنا ويصبح كافرًا، يبيع دِينَهُ بعَرَضٍ من الدنيا ) ، والآية نزلت في عمار بن ياسر، وبلال بن رباح، وأمثالهما من المؤمنين/ المستضعفين لما أكرههم المشركون على سب النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من كلمات الكفر، فمنهم من أجاب بلسانه كعَمَّار، ومنهم من صبر على المحنة كبلال، ولم يكره أحد منهم على خلاف ما في قلبه، بل أكرهوا على التكلم، فمن تكلم بدون الإكراه، لم يتكلم إلا وصدره منشرح به .

وأيضًا، فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي، فقالوا: نشهد إنك لرسول، ولم يكونوا مسلمين بذلك؛ لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم، أي نعلم ونجزم أنك رسول الله،قال: ( فلم لا تتبعوني ؟ ) قالوا: نخاف من يهود،فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس بإيمان حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم .

فالمنافقون قالوا مخبرين كاذبين، فكانوا كفارًا في الباطن، وهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين، فكانوا كفارًا في الظاهر والباطن، وكذلك أبو طالب قد استفاض عنه أنه كان يعلم بنبوة محمد وأنشد عنه:

ولقد علمت بأن دين محمد ** من خير أديان البرية دينًا

لكن امتنع من الإقرار بالتوحيد والنبوة حبًا لدين سلفه، وكراهة أن يعيره قومه، فلما لم يقترن بعلمه الباطن الحب والانقياد الذي يمنع ما يضاد ذلك من حب الباطل وكراهة الحق لم يكن مؤمنًا .

/وأما إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، فما قام بأنفسهم من الكفر وإرادة العلو والحسد منع من حب الله، وعبادة القلب له الذي لا يتم الإيمان إلا به، وصار في القلب من كراهية رضوان الله واتباع ما أسخطه ما كان كفرًا لا ينفع معه العلم .

فصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت