فهرس الكتاب
فإن وجد ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فإما أن يكون النقل غير صحيح أو يكون صحيحًا ليس فيه دلالة صحيحة على المدعي، وإما أن يكون العقل فاسدًا بفساد مقدماته، فمن احتج مثلًا- في إنكار الصفات الإلهية بأن لازم ذلك إثبات آلهة مع الله، قد احتج بعقل غير صحيح؛ بل لا يجوز تسمية ذلك عقلًا أصلًا، إذ لا يجوز في العقل وجود موجود مجرد عن الصفات؛ بل هو من أعظم الممتنعات العقلية، لأنه يستلزم رفع النقيضين، حيث يقال: هو موجود ولا موجود، ولا يقال هذا في حق المخلوق، فلا يستلزم إثبات المخلوق متصفًا بصفات السمع والبصر والكلام والحياة أن يتعدد المخلوق، بحيث تكون كل صفة منها إنسانًا قائمًا بنفسه، وهذا معلوم البطلان في حق المخلوق، وبطلانه في حق الخالق أظهر وأولي فهذا عقل فاسد لا يقاوم النقل الصحيح الصريح من آيات الصفات وأحاديثها.
وقد يكون النقل مكذوبًا والعقل صحيحًا، كما في حديث يروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:"قيل يا رسول الله مم ربنا؟ قال: من ماء مرور، لا من أرض، ولا من سماء، خلق خيلًا فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق ..." [51] ، ففي هذا الكذب وأمثاله لا يقال إنه يعارض دليل العقل، فلا يصلح أن يكون دليلًا فضلًا عن أن ينسب إلى الشرع ليعارض به العقل، علاوة على أن الأدلة الشرعية تنقضه وتبطله.
وقد يكون النقل صحيحًا، إلا أنه لا يدل على المعنى المدعى، فيتوهم التعارض بين المنقول والمعقول، كما في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، .. الحديث" [52] ، فمن فهم من الحديث أن الله I يمرض أو يجوع ويعطش لم يفهم معنى الحديث لأن الحديث فسره المتكلم به، وبين المراد منه، وهو أن العبد هو الذي جاع وعطش ومرض، وأن الله تعالى منزه عن ذلك.
"والمقصود هو بيان أنه إذا ظهر تعارض بين الدليلين النقلي والعقلي، فلابد من أحد ثلاثة احتمالات:"
الأول: أن يكون أحد الدليلين قطعيًّا والآخر ظنيًّا، فيجب تقديم القطعي نقليًّا كان أم عقليًّا، وإن كانا ظنيين فالواجب تقديم الراجح، عقليًّا كان أم نقليًّا.
الثاني: أن يكون أحد الدليلين فاسدًا، فالواجب تقديم الدليل الصحيح على الفاسد سواء أكان نقليًّا أم عقليًّا.