الصفحة 24 من 79

ص -76- ... الغض الذي يقطر ماء، أحدث منه الخالق القادر هذه النار المضادة له، وهذا أمر أعجب وأغرب من إعادة الغضاضة إلى ما كان غضا فطرأت عليه اليبوسة والبلى.

كما أن هذه الآية متضمنة للرد على شبهة يوردها المنكر لإعادة الحياة بعد الموت؛ ذلك أن الموت بارد يابس، والحياة طبعها الرطوبة والحرارة، فإذا حل الموت لم يكن أن تحل فيه الحياة بعد ذلك لما بينها من التضاد.

والحقيقة أن الشبهة واهية وغير واردة على موضوع البعث أصلا، ذلك أن الممتنع هو الجمع بين الضدين في آن واحد، أي بأن يكون الجسم حيا وميتا في وقت واحد، والبعث بعد الموت ليس من هذا الباب، لأنه حياة بعد موت، لا مع موت، فحينما حل بالجسم الموت ارتفعت الحياة فبقى ميتا إلى حين وقت البعث، فلما عادت إليه الحياة مرة ثانية ارتفع الموت. فليس هناك جمع بين ضدين.

وقد تابع أدلة الرد على المنكرين للبعث والحساب، منكرا على الإنسان استبعاد وقع البعث الجسماني وإمكانه قائلا: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} ومتى قدر على ذلك فهو قادر على إعادة أعيانهم- ولو اتجه الإنسان مع فطرته الصحيحة التي فطره الله عليها، لأجاب بقوله {بَلَى} أي هو قادر على ذلك؛ لأن هذه الإجابة هي مقتضي ما يعترفون به ولا ينكرونه {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} (سورة العنكبوت آية 61) .

ولأنه تعالى {هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} أي كثير الخلق، وكثرة الخلق ناشئ عن كمال القدرة، وهو {الْعَلِيمُ} الذي لا يخفى عليه شيء، فعلمه شامل بجزئيات الأشياء وكلياتها. كما قال تعالى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت