الصفحة 38 من 79

ص -83- ... المنبئين عن الحكمة والتدبير {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ، والعرش من الأمور المغيبة عنا، والله هو وحده العالم بسعته وعظمته وقد استوى عليه استواء يليق بجلاله كما أخبر. وتنقلنا الآيات من معهد السماء المرفوعة بغير عمد، إلى مشهد التسخير والتقدير {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً} فقد خلقهما بقدرته وسخرهما بإرادته يجريان، دائبين لا يفتران، إلى أجلهما المسمى، وقد خص كلا منهما بخاصته فجعل الشمس سراجا وهاجا، وجعل القمر نورا، كلاهما ترتبط بها حياة الإنسان في نفسه، وفي جميع شئون حياته اليومية والشهرية والسنوية، أمور تلمس القلوب وتخاطب المشاعر بما يحسه الإنسان ويدركه كجزء من حياته.

{يُدَبِّرُ الأَمْرَ} كله، فله الخلق والأمر، فمن تدبيره: خلق السموات وحفظها، ومن تدبيره وتقديره: خلق الشمس والقمر، وتسخيرهما يجريان إلى أجلهما المسمى.

{يُفَصِّلُ الآياتِ} الكونية المشاهدة الدالة على عظيم القدرة ونفاذها، والآيات الدينية المبينة للطريق السوي الذي يلزم المكلف سلوكه والحقائق الغيبية التي لابد من الإيمان بها، واعتقادها، {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} .

{لَعَلَّكُمْ} حين رؤيتكم لآياته الكونية المفصلة، و إدراككم لما فيها من إتقان وإحكام، دالين على قدرة من فصلها وبينها {تُوقِنُونَ} بأن وراء هذا التدبير المحكم مدبرا حكيما، وأن لهذا التفصيل والتوضيح مفصلا عليما حكيما لا بد من لقائه، في الحياة الأخرى. لمجازاتكم على أعمالكم، فذلك اللقاء، وتلك المجازاة، مما يوحي به ذلك التدبير والتفصيل، فالخلق يكون عبثا إن لم تكن هناك مجازاة على الإحسان والإساءة، قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} .

تلك مشاهد العلو الكونية، عرضت على المخاطبين، ذلك العرض الموحى بالقدرة المبدعة من ورائها، ليأخذ منها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت