إن وظيفة النظام تنحصر في ثلاثة أمور: كأداة تحديد الحريات هذه هي وظيفتها، وكمعيار لأهلية السلطات للتدخل، وكوسيلة لرقابة المجلس الدستوري.
والأمثلة على ذلك من قرارات المجلس الدستوري الفرنسي عديدة، ومنها قرارات المجلس الدستوري في 25/ 1 / 1985م بصلاحية البرلمان في إعلان حالة الطوارئ في جزر"نوفل كالدوني"، وهى حالة ليست منصوصة في الدستور، مع أنها تحد من الحريات الفردية، وبرر المجلس ذلك بالمحافظة على النظام العام.
ومحكمة حقوق الإنسان الأوربي أيدت قرار السلطات التركية الذي يحظر حزب الرفاه الإسلامي، وذكرت في حيثياتها أنه يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وذلك مالا يتفق ومنظومة القيم الأوربية، وبمعنى آخر"النظام العام الغربي".
وقد أشرنا إلى قرار المحكمة بتأييد حظر الفيلم المسيء إلى المسيح عليه السلام.
والمحكمة في كلتا الحالتين تحترم منظومة القيم الغربية التي تعتبر المسيح - عليه السلام - مقدسًا، وبالتالي فإن التضييق على حرية التعبير مشروع إذا كان يمس بتلك
القدسية، انطلاقًا من مبدأ النظام العام، بينما تعتبر شريعة الإسلام غير مقدسة طبقًا لنفس القيم الغربية، فيجب تضييق نطاق حرية التعبير على من يطالبه بها.
وما موقف كثير من قادة الرأي في الغرب من الرسوم السيئة السمعة ببعيد.
ذلك هو منطق النظام العام الغربي، ولا يعنينا هنا أن نناقش الغربيين أو نبرز تناقض موقفهم نتيجة التعصب والاستعلاء، بل نعتبر أن موقفهم ينسجم مع نظرتهم الخاصة؛ ولكن عليهم أن يحترموا الآخر. وإذا كانوا قد مارسوا حقهم في التعامل مع مبدأ نظامهم العام فلا أقل من أن يعترفوا لغيرهم بحقه في ممارسة نفس المبدأ، وأن يعترفوا في النهاية بالنسبية في مبدأ النظام العام، فلكل أمة نظامها العام ومنظومتها القيمية، وهكذا فإن مادة (27) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عندما تنص على تقييد الحريات المنصوص عليها في الإعلان عندما تتعارض مع"النظام العام"وهو يختلف من بيئة إلى بيئة وثقافة إلى ثقافة، فقد يعتبر ذلك اعترافًا ضمنيًّا بتأثير التنوع الثقافي في حقوق الإنسان.
وعليهم أن يحترموا الآخر المسلم ونظرته إلى الكون والحياة ونظامه العام ومقدساته.
وهناك اختلافات في قوانين الأسرة وفي البيوع والمعاملات وتجريم بعض السلوكيات ترجع إلى اختلاف القيم.
تلك أمثلة عن بعض أوجه الاختلاف القيمي فما ظنك بالاختلاف الناشئ عن العنصرية المبطنة والحقد والكراهية فيما أصبح يعرف بالإسلاموفوبيا وتلك الناشئة عن المصالح بين دول الغرب وبين العالم الإسلامي في استغلال الموارد والاستثمار والتجارة.