فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 143

ونحن نتطور مريم تقضي مدة النفاس في هذا المكان الخلائي الهادئ, فنجدها هانئة به, وقد راضت نفسها على الاقامة فيه, وكان يوسف النجار يذرع الأرض كل يوم ويقطع طريقها بين الكهف الذي ولد فيه المسيح وبين القدس, حيث يقضي حوائجها, ويشتري لها الخبز والطعام, فاذا عاد من المدينة وجد تمرا كثيرا, جاءت به هذه النخلة التي شبّ عمرها, واخضرّت أوراقها, بعد أن أصابها الكبر ونخرها السوس.

انتهت مدة نفاس مريم العذراء, وحان موعد الرحيل الى المدينة, فعاود مريم القلق, وانتابها الوسواس من جديد.

كان يوسف يحزم الأمتعة استعدادا للرحيل, ومريم غارقة في همومها ودعائها تطلب العون من الله, فسمعت هاتفا يهتف بها:

يا مريم؛ صومي اليوم عن الكلام, فلا تكلمي أحد من الناس, والله يتولاك برعايته.

كان الهاتف بهذا الأمر هو جبريل عليه السلام, فصدعت للأمر, ونذرت الصوم قالت:

{اني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيّا} , مريم 26.

ولما فرغ يوسف النجار من حزم الأمتعة, حملها على دابته ثم نظر الى مريم, ودعاها للركوب, فركبت دون أن تحرك شفتيها بكلمة واحدة.

اتجهت مريم بالطفل الى جبال حبرون, وجاءت به الى قومها تحمله, قالوا:

يا مريم؛ لقد جئت شيئا فريّا, وأمرا منكرا!؟

سكتت مريم ولم تقل شيئا للدفاع عن نفسها, فأيقنوا أنها ارتكبت خطيئة, وقالوا:

{ يا أخت هارون ما كان امرأ سوء وما كانت أمك بغيّا} مريم 28.

تكلمي يا مريم ودافعي عن نفسك. كيف جئت بهذا الغلام؟!

كانت مريم صائمة لا تستطيع الكلام, فلما ألحوا عليها وكثر كلامهم وسؤالهم لها, اتخذت قرارا صامتا أصابهم الدهشة الشديدة!!

كانت مريم صائمة عن الكلام, لا تستطيع الكلام, فلما ألحوا عليها وكثر سؤالهم لها: أشارت الى الطفل ليكلموه, انه أمر عجيب, كيف تطلب مريم شيئا خارقا لم نعتد عليه, انها تطلب معجزة, تريد أن يتكلم هذا الطفل الملفوف في قطعة من القماش.

قالوا في دهشة واستغراب: { كيف نكلم من كان في المهد صبيا} .

كيف نكلم هذا الطفل الذي يكفينا سماع صوت بكائه بصعوبة شديدة من ضعفه وطفولته المبكرة.

لقد ولد منذ أيام قليلة, فهل يعقل انسان هذا الذي تريده مريم, انها تريد المستحيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت