فهرس الكتاب
وحذر ابراهيم عليه السلام أباه من عبادة الشيطان, فقال له:
{ يا أبت لا تعبد الشيطان, ان الشيطان كان للرحمن عصيّا} مريم 44.
أي أن عبادتك لغير الله من أصنام وأوثان هي عبادة للشيطان, لأن الشيطان هو الذي يأمر بذلك وهو المؤول عنها, ولا ينبغي لك أن تطيع من يعصي الله الذي خلقك وأنعم عليك.
ثم قال ابراهيم لأبيه في تلطف: يا أبت اني أخاف ان عصيت الله وواليت عدوّه أن يقطع رحمته عنك كما قطعها عن الشيطان, فتكون كالشيطان يصيبك عذاب شديد.
وقد كان كل هذا التحذير والتخويف واضحا, ولكنه حمل أدبا وحسن خلق من ابراهيم حين قال: { أخاف أن يمسّك عذاب} مريم 45.
فذكر ابراهيم عليه السلام خوفه عليه حتى من مس العذاب.
هكذا كان ابراهيم عليه السلام لطيفا مع أبيه, حسن الخلق ينصحه ويدعوه لطاعة الله, فيبدأ كل نصيحة من نصائحه الأربع بقوله { يا أبت} على سبيل التوسل اليه والاستعطاف, ونيل رضاه, بذلك ضرب ابراهيم عليه السلام مثلا عظيما في حسن الخلق والتأدب مع أقرب الناس اليه وهو أبوه آزر, ولكن هل كان رد الأب ايجابيا؟
للأسف, لم يكن كذلك, فقد أصرّ على عناده وكفره وقال لابراهيم: أمعرض أنت يا ابراهيم ومنصرف عن آلهتي؟ لئن لم تمتنع عن الطعن والاساءة لآلهتي وان لم تبتعد عن نصحك لي بترك عبادتها لأررجمنّك بالحجارة, هيا اهجرني وابعد عني ولا تعد تأتيني أبدا.
سمع ابراهيم عليه السلام ردّ أبيه, ولم يعارضه بسوء الرد ولم يستمر معه في الجدال, وانما قال له:
{ سلام عليك سأستغفر لك ربي انه كان بي حفيّا} . مريم 47.
لن أصيبك بمكروه يا أبي, ولكن سأدعو ربي أن يغفر لك انه كان بي حفيا أي مبالغا في اللطف بي. القرطبي ج1 ص111-113.
وقال ابراهيم عليه السلام: سأجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله, وأعبد ربي وحده لا شريك له عسى أن لا أكون بدعائه خائبا ضائع الجهد والسعي. ومضى ابراهيم عليه السلام لشأنه.
حوار قبل تحطيم الأصنام
عاد ابراهيم عليه السلام ليحاور قومه, عسى أن يعودوا عن عنادهم وكفرهم, وسألهم قائلا: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} الأنبياء 52.
فأجابوا على الفور: { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} الأنبياء 53.
أي أنهم يعبدونها تقليدا لأسلافهم وأجدادهم, وحجتهم أمام ابراهيم هي تقليد آبائهم الذين ضلوا الطريق.
فقال لهم ابراهيم عليه السلام وعلى الفور وفي جرأة شديدة:
{ لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} الأنبياء 54.