فهرس الكتاب
وقف عزير عليه السلام بين فاكهته وطعامه الذي لم يتغيّر وبين حماره الذي فني وأصبح عظاما لطول ما مرّ به من السنين, وبدأ يردد: انها مائة عام, حقا انها مائة عام, كانت كافية بافناء جلد الحمار وعظامه, ولحمه, لقد بليت حوافره وزالت وأصبح مكان عينيه حفرتان في عظام الرأس المجوّفة.
رأى عزير عليه السلام آيات ربه: فطعامه لم يتغير وحماره أصابه الفناء.. سبحان الله, انها بلا شك آية من آيات الله العلي القدير, ونعمة من نعمه العظيمة, ثم زاد مستدركا: بل انها آية, وكرّر: انها آية من آيات الله.
وانصرف عزير عليه السلام للتسبيح والصلوات حتى سمع قول الله عز وجلّ: { ولنجعلك آية للناس} البقرة 259.
لم تكن الآية في الطعام والشراب الذي لم يتغيّر بل أصبحت في عزير عليه السلام نفسه, وهذا ما جعله يفكّر فيما سيأتي من بعد ذلك. ما الذي سيحدث بحيث يصبح عزير آية تدعو الى العجب والدهشة ومعجزة يتحدّث عنها الناس جميعا؟!
ولكن ما هي الآية؟ وعمّ ستكون المعجزة؟!
فجأة سمع عزير عليه السلام نداء خفيّا, يقطع عليه تفكيره, ويصرفه عن هذا التفكّر والتأمّل, جاء النداء يقول آمرا عزير: { وانظر الى العظام} البقرة 259.
نظر عزير عليه السلام الى العظام, ثم أكمل الصوت أو النداء: { كيف ننشزها ثم نكسوها لحما} البقرة 259.
أعاد النظر عزير عليه السلام فاذا به يجد عظام الحمار تتحرك قائمة بقدرة الله ومشيئته, كل عضو يتحرك الى مكانه المعروف من الجسم, حتى اكتمل هيكل الحمار العظمي ثم يكسو الله لقدرته ومشيئته هيكل العظام هذا باللحم, حتى يعود حمار العزير خلقا كاملا سويا كما كان.
أخذت الدهشة عزيرا عليه السلام لكنه تمالك نفسه, ولما رأى ذلك بعينه سلّم وآمن بقدرة الله عز وجل, واطمأن يقينه, فقل في خشوع: { أعلم أن الله على كل شيء قدير} البقرة 259.
لقد كان عزير عليه السلام في زمن سبق موته يعجب لقدرة الله كيف تعيد الحياة الى هذه البلاد بعد أن رآها مقفرة موحشة, وها هو اليوم يرى أعجب وأعظم مما كان يتصوّر, انها قدرة الله سبحانه عز وجل.
وخرج عزير عليه السلام ينظر الى الطريق العام فوجد الناس تأتيه من بعيد وهم يتكلمون رائحين وغادين, ورأى المدينة قد عمّرت, ورأى في المدينة أنوارا خافتة تظهر مع طلائع الظلام التي أقبلت مع الغروب, مما جعل العزير يشعر بالفرح والسرور ويشكر الله على نعمته, ويتيقن كما كان أن الله على كل شيء قدير.