فهرس الكتاب
وكان أبو الدرداء (رضي الله عنه) إذا فرغ من التشهد ـ في الصلاة ـ يتعوذ بالله من النفاق، ويكثر التعوذ منه، فقال له أحدهم: ومالك ـ يا أبا الدرداء ـ أنت والنفاق؟، فقال دعنا عنك، فو الله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيُخلع منه [1]
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: (ما خافه -النفاق- إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق) [أخرجه البخاري تعليقًا] [2] .
وسئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال: (ومن يأمن على نفسه النفاق) ؟! [3]
يقول ابن القيم: (وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة، ولهذا اشتد خوف سادة الأمة وسابقيها على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر يقول لحذيفة: ناشدتك الله، هل سماني رسول الله مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا ... [4] ، يعني لا أفتح عليّ هذا الباب في تزكية الناس، وليس معناه أنه لم يَبرأ من النفاق غيرك) ... [5] .
فتأمل رحمك الله ما عليه أولئك الأسلاف الأبرار من خوف شديد من النفاق ودواعيه، ثم انظر إلى حال الأكثرين منا في هذا الزمان، فمع ضعف الإيمان وغلبة الجهل تجد الأمن من النفاق والغفلة عنه! .. فالله المستعان.
5 -المنافقون كثر:
ومما يوجب مزيد الخوف من النفاق والحذر من المنافقين: أنهم كثيرون، منتشرون في بقاع الأرض، كما قال الحسن البصري (رحمه الله) : (لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات) [6]
(1) أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص69، وقال الذهبي في السير (6/ 382) : إسناده صحيح.
(2) وأخرجه الخلال في السنة، 5/ 68.
(3) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، 2/ 493.
(4) كان عمر الفاروق (رضي الله عنه) يخاف من نفاق العمل لا نفاق الكفر، كما أن عمر يخاف هذا النفاق الأصغر على نفسه في الحال وليس عند الموت فحسب، انظر تفصيل ذلك في جامع العلوم، 2/ 492، وفتح الباري، 1/ 90.
(5) طريق الهجرتين، ص 409.
(6) أخرجه ابن بطة في (الإبانة الكبرى) ، 2/ 698.