الصفحة 37 من 42

كما يقتل المرتد، فإنه لا يغسّل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث، بل يكون ماله فيئًا لبيت مال المسلمين كما هو مبسوط في موضعه [1]

ومما يدل على مشروعية قتل المرتد ما أخرجه البخاري - رحمه الله - أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أُتى بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس - رضي الله عنهما- فقال: لو كنت أنا لم أحرِّقهم لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولقتلتهم لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من بدّل دينه فاقتلوه) .

والمراد من قول: (بدّل، دينه) أي بدل الإسلام بدين غيره؛ لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام، قال الله تعالى: (( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) ) [آل عمران: 85] [2]

وقد التزم الصحابة - رضي الله عنهم - بهذا الحكم، فعندما زار معاذ بن جبل أخاه أبا موسى الأشعري - رضي الله عنهما - وكانا أميرين في اليمن، فإذا رجل موثق، فقال معاذ: ما هذا؟ قال أبو موسى: كان يهوديًا، فأسلم ثم تهوّد، ثم قال: اجلس، فقال معاذ: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله (ثلاث مرات) ، فأمر به فقتل [3]

وقد قام خلفاء وملوك الإسلام وفي عصور مختلفة بإقامة حكم الله - تعالى - في المرتدين تأسيًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ فلا يخفى موقف الصديق رضي الله عنه تجاه المرتدين وقتاله لهم، وسار على ذلك بقية الخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان.

واشتهر المهدي الخليفة العباسي بمتابعة الزنادقة المرتدين، حيث عيّن رجلًا يتولى أمور الزنادقة.

يقول ابن كثير في حوادث سنة 167هـ: (وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبرًا بين يديه) [4]

ويعدّ الحلاّج من أشهر الزنادقة الذين تمّ قتلهم بسيف الشرع دون استتابة، يقول القاضي عياض: (وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية على قتل الحلاج وصلبه لدعواه الإلهية والقول بالحلول، وقوله:(أنا الحق) مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته) [5]

(1) تحدث الفقهاء - رحمهم الله - عن هذه المسائل تفصيلًا، وألفت رسائل علمية مطبوعة في أحكام المرتد، منها: أحكام الردة والمرتدين لجبر الفضيلات، وأحكام المرتد لنعمان السامرائي

(2) انظر: فتح الباري، 13/ 272.

(3) أخرجه البخاري.

(4) البداية 10/ 149.

(5) الشفا، 2/ 1091.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت