الصفحة 6 من 21

منهج الاعتدال في نقد السلطة السياسية أدعى إلى استجلاب التجاوب واستيلاد التقارب والتوصل إلى التعاون المثمر والاحترام المتبادل بينهما.

2 -عدم المبالغة في توقير ولي الأمر.

روي عن مالك قوله: دخلت على أبي جعفر فرأيت غير واحد من بني هاشم يقبل يده المرتين والثلاث، ورزقني الله العافية فلم أقبل له يدًا (29) .

يظهر من هذه الرواية أن مالكا كان يرى تقبيل يد الخليفة نوع بلاء، لذلك ماكان يفعله. وهذا يؤكد أن مدحه لأبي جعفر في الرواية السالفة كان للضرورة اجتلابا للمصلحة واجتنابا للمفسدة.

3 -الصدق والإخلاص:

ظهر ذلك - كما سيأتي- في موقفه من عرض أبي جعفر عليه أن يجمع الناس على قوله، ويجعل قانون القضاء الاجتهادي على وفق رأيه، لكنه رفض ذلك، مبينًا أن أنظار أهل الاجتهاد تختلف، فغيره يرى غير مايراه (30) فتوحيد الفتوى في القضاء الاجتهادي على رأي مجتهد واحد فيه نوع حجر فكري، لاسيما والعصر عصر نشاط فكري متوقد، واجتهاد فقهي مزدهر. وإن موقفه ذلك ليدل على سعة أفقه وبعد نظره ومعرفته بحال عصره

4 -عدم رضاه عن ظلم الخلفاء واغتصابهم السلطة:

دلت بعض الروايات التاريخية على أن مالكا لم يكن راضيا عن سيرة الخلفاء العباسيين، وعن أخذهم البيعة بالإكراه، فمن ذلك.

أ- سأل مالك أندلسيا عن عبد الرحمن بن معاوية- الداخل - فأجاب الأندلسي: إنه يأكل خبز الشعير، ويلبس الصوف، ويجاهد في سبيل الله ... فقال مالك ليت أن الله زين حرمنا بمثله، فنقم العباسيون عليه (31) .

ب -وقال ابن عبد البر: ذكر أحمد بن حنبل أن مالكا كان لا يجيز طلاق المكره، فضرب في ذلك (32) .

وهذا في نظر أبي جعفر وواليه على المدينة يمثل عدم رضا عن العباسيين وقدحا لهم، وتفضيلا لغيرهم عليهم، وهو أمر يسوؤهم لاسيما وأنه يصدر من عالم المدينة وإمامها ولعل من اسباب عدم رضاه عن العباسيين أنهم كانوا ياخذون البيعة بالإكراه، وهو غير جائز شرعا.

ويؤيد فهمنا هذا ما ذكره ابن خلدون اذ قال:"كان الخلفاء يستحلفون على العهد، ويستوعبون الأيمان كل ها لذلك، فسمي الاستيعاب أيمان البيعة، لأنها أيمان تؤكد بها البيعة، وكان الإكراه فيها أكثر وأغلب، ولهذا لما أفتى مالك بسقوط يمين الإكراه أنكرها الولاة عليه، ورأوها قادحة في أيمان البيعة، ووقع في محنة الإمام (33) ."

رابعا: الجانب الساسي في محنة مالك:-

ذكر أبو نعيم الأصبهاني ان مالكا ضرب وحلق وحمل على بعير، وأمر أن ينادي على نفسه فنادى: ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وأنا أقول: طلاق المكره ليس بشيء فبلغ جعفر بن سليمان -والي المدينة -أنه ينادي على نفسه بذلك، فقال: أدر كوه وأنزلوه (34) .

وذكر ابن عبد البر في سبب محنه مالك:"لما دع ي مالك بن أنس وش وو ر وسمع منه، وقبل قوله شنف له الناس-أي تنكروا له -وحسدوه ونعتوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان على المدينة سعوا به إليه وكثروا عليه عنده، وقالوا: لايرى أيمان بيعتكم هذه بشئ، وهو يأخذ بحديث في طلاق المكره انه لايجوز (35) ."

فغضب جعفر بن سليمان فدعى مالكا وحده وضربه بالسياط ومدت يداه حتى انخلع كتفاه وارتكب منه أمرا عظيما (36) .

ويمكن تفسير تعدد الروايات في أسباب محنه مالك تفسيرات متعددة منها تحديثه بحديث طلاق المكره، ومنها حسد الحاسدين ووشايتهم به لدى الوالي والخليفة، ولعل منها رغبة الخليفة بالتلويح لغير الراضين عنه أن الانتقام والعقاب يطال كل معارض حتى ولو كان إمام المدينة هذا، وتوجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت