فإذا تقرر أن التصوف فكرة واحدة، بأصولها وقواعدها، والمتصوفة يقرون بهذا، فيبطل حينئذ أن تجمع بين السنة والفلسفة، فهي إما أن تكون سنية أو فلسفية؛ أما أن تكون كلتيهما فذلك باطل؛ لأنه محال، لما تقدم، فالسنة تناقض الفلسفة أصلا، فهما دينان مختلفان، السنة دين الرسول صلى الله عليه وسلم، والفلسفة دين الوثنين عباد الأصنام، من حكماء الهند، والفرس، واليونان. (1)
نعم.. من أئمة التصوف أمة متقيدة بالكتاب والسنة، صالحون، أبرار.. هذا لا شك فيه. ومنهم من دون ذلك، ومنهم من ليس من الإسلام في شيء. ففيهم كل الأصناف.
وعليه فلا يصح تصحيح التصوف، أو إبطاله بالنظر إلى هؤلاء الأئمة؛ فإذا احتج المناصر بالصالح منهم على حسن التصوف: احتج عليه المعارض بالزنديق منهم والمبتدع على سوء التصوف. فتبقى المسألة عالقة، وأكثر النزاع من هذه الحيثية؛ فإن من الذين صححوا التصوف بنوا قولهم نظرا منهم إلى المنتسبين إلى التصوف، وما جاء من الثناء عليهم، لكنهم لم ينظروا من جهة الفكرة نفسها، وهذا خطأ.. ومثله كمن صحح النصرانية؛ لأن فيهم قسيسين ورهبانا، وأنهم لا يستكبرون (2)
(1) - انظر: ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، للبيروني ص27.
(2) - ثمة فئة تنحو إلى تصحيح الدين النصراني، وتستدل عليه بمثل قوله تعالى: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} [المائدة 82] ، وهذا باطل..!!.
لأن هؤلاء الرهبان والقسيسين:
إما أن يكون باقين على نصرانيتهم، فالآية حينئذ لا تتعرض لهم.
أو مؤمنين متبعين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فالآية حينئذ تشير إليهم، وتتمة الآية تدل على ذلك: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين..} إلى آخر الآية.
ففي كلا الحالتين الاستدلال بالآية على تصحيح النصرانية باطل، فالآية تحسن سبيل من ترك النصرانية إلى الإسلام.
فمعنى الكلام: أن من صحح التصوف بالنظر إلى أن فيه صالحين، زاهدين، مثله كمثل من صحح النصرانية، لأن فيه قسيسين ورهبانا. ناسيا أن صلاح هؤلاء كان باتباعهم النبي، ليس لأنهم نصارى. كذلك صلاح الأئمة من المتصوفة، لأنهم متبعون، ليس لأنهم متصوفة.