فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 41

الحكم الشرعي من جهة القواعد لا من جهة الأدلة المنصوبة" [1] ،"والاستدلال المقبول هو المعنى المناسب الذي لا يخالف مقتضاه أصلًا من أصول الشريعة" [2] ."

والنظر الاستدلالي السليم المفضي إلى الحكم السليم هو النظر في الدليل الذي يوصل إلى الحق، إذ قد يستدل المستدل بالدليل الصحيح لكن في غير موضعه [3] ؛ والوهم في تأويل النص الشرعي ناتجٌ عن خللٍ في السيرورة الاجتهادية، وفي العملية الاستدلالية، كما قال ابن تيمية:"فإذا قال أخطأ في اجتهاده أراد أخطأ في استدلاله، بمعنى أنه لم يستدل بالدليل الذي يوصله إلى نفس الحق، ولا ريب أنه أخطأ هذا الاستدلال الموصل له إلى الحق؛ إذ لو أصابه لأصاب الحق؛ لكنه لم يكن قادرًا على هذا الاستدلال، فلا يعاقب على تركه" [4] .

إذن، فالنقص في المستدل هو السبب في الوهم في فهم الدليل، وليس الدليل نفسه، و"جهل الناظر ببعض صفات الدليل التي يحتاج إلى علمها نقصانٌ منه" [5] ؛ قال الشاطبي:"التعارض إما أن يعتبر من جهة ما في نفس الأمر، وإما من جهة نظر المجتهد؛ أما من جهة ما في نفس الأمر فغير ممكن بإطلاقٍ ... وأما من جهة نظر المجتهد فممكنٌ بلا خلافٍ" [6] .

ولا يعني وقوع الخطأ في فهم النصوص أن ثمة تناقضًا فيها، فهذا مستحيلٌ في حقها، وإنما يُتهم المستدل مباشرةً، فلا شك أن الوهم تسرب إليه بوجهٍ من الوجوه.

ولعل ابن تيمية قد أجمل القول في هذه المسألة حين قال:"تطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده، بخلاف رأي العالم. والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأً إذا لم يعارضه دليلٌ آخر، ورأي العالم ليس كذلك" [7] .

كل هذا فيمن كان الوهم منه راجعًا إلى اجتهادٍ مستساغٍ مرجوحٍ، وأما من تعمد المكابرة، وترك الأدلة تنطعًا، أو لَيَّ أعناقها، فلا عذر له،"ومن خرج عن الدليل، ضل سواء السبيل" [8] .

(1) شرح تنقيح الفصول، للقرافي، ص 450.

(2) البرهان في أصول الفقه، للجويني، 2/ 206.

(3) راجع: النبوات، لابن تيمية، 2/ 657.

(4) جامع الرسائل، لابن تيمية، 1/ 247.

(5) الواضح في أصول الفقه، مرجع سابق، 1/ 58.

(6) الموافقات، للشاطبي، 5/ 342.

(7) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية، ص 36.

(8) مدارج السالكين، لابن القيم، 2/ 330 - 331.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت