مقدمة:
عندما تقع النازلة، يتصدى لها مجتهدو الأمة لبيان حكم الله فيها؛ وما دامت النوازل عاريةً عن النصوص الشرعية المباشرة، فإن المجتهد مضطر لاستثمار هذه النصوص معملًا الأقيسة المرعية والقواعد والمقاصد الشرعية، بل قد يحتاج في استنباطه للحكم الشرعي، لعلوم غير شرعيةٍ أو لعلاماتٍ عرفيةٍ أو لمؤشرات تاريخيةٍ.
ويعتبر التاريخ من الآلات التي يرجع إليها العلماء لفهم بعض النوازل أو للبث فيها، لأنه يُعين على معرفة المتقدم من المتأخر، ويُمَكِّن من فهم الظروف التي أحاطت بالحادثة في زمن ما، مما يُخَوِّل الاستفادة منها في الأزمنة اللاحقة؛ وفي المقابل، فإن النتاج النوازلي الذي تفرزه الاجتهادات الفقهية، يمكن أن يكون موضوعًا مُهمًا للمؤرخين، إِنْ على مستوى التدوين، أو على مستوى التحليل واستنباط النتائج.
إلا أن هذا التداخل بين علمي التاريخ والنوازل، لا يعني الانصهار التام بينهما، بل إن هامش التمايز بين العلمين يبقى مفتوحًا على مصراعيه، إيذانًا منه بالحدود الفارقة التي تحفظ لكل علم استقلاليته.
ولا يخفى على المطّلِعين أهمية الجانب التطبيقي، فناسب لأجل ذلك استجلاب نماذج يتجلى فيها هذا التداخل، ومن ذلك اجتهادات المالكية في العصر الوسيط.