الصفحة 106 من 484

ففي القرآن والسنة من نفى الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة، كما نفى فيها الإيمان عن المنافق. وأما العالم بقلبه مع المعاداة والمخالفة الظاهرة،/ فهذا لم يسم قط مؤمنًا، وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان النبيين، ولو قال وعمل ماذا عسى أن يقول ويعمل؟ ولا يتصور عندهم أن ينتفى عنه الإيمان إلا إذا زال ذلك العلم من قلبه.

ثم أكثر المتأخرين الذين نصروا قول جهم يقولون بالإستثناء في الإيمان، ويقولون: الإيمان في الشرع هو ما يوافي به العبد ربه، وإن كان في اللغة أعم من ذلك، فجعلوا في مسألة الإستثناء مسمى الإيمان ما ادعوا أنه مسماه في الشرع، وعدلوا عن اللغة، فهلا فعلوا هذا في الأعمال. ودلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة، بخلاف دلالته على أنه لا يسمى إيمانا؛ إلا ما مات الرجل عليه فإنه ليس في الشرع ما يدل على هذا، وهو قول محدث لم يقله أحد من السلف، لكن هؤلاء ظنوا أن الذين استثنوا في الإيمان من السلف كان هذا مأخذهم؛ لأن هؤلاء وأمثالهم لم يكونوا خبيرين بكلام السلف، بل ينصرون ما يظهر من أقوالهم بما تلقوه عن المتكلمين من الجهمية ونحوهم من أهل البدع، فيبقى الظاهر قول السلف، والباطن قول الجهمية الذين هم أفسد الناس مقالة في الإيمان. وسنذكر ـ إن شاء اللّه ـ أقوال السلف في [الاستثناء في الإيمان] ولهذا لما صار يظهر لبعض أتباع أبي الحسن فساد قول جهم في الإيمان، خالفه كثير منهم، فمنهم من اتبع السلف.

قال أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني في [شرح الإرشاد] لأبي المعالي، بعد أن ذكر قول أصحابه قال: وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات،/فَرْضِها ونَفْلِها، وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر اللّه به فرضًا ونفلًا، والانتهاء عما نهى عنه تحريمًا وأدبًا. قال: وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي من متقدمي أصحابنا، وأبو العباس القلانسي.

وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبد اللّه بن مجاهد قال: وهذا قول مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومعظم أئمة السلف ـ رضوان اللّه عليهم أجمعين.

وكانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. ومنهم من يقول بقول المرجئة: إنه التصديق بالقلب واللسان.

ومنهم من قال: إذا ترك التصديق باللسان عنادًا كان كافرًا بالشرع، وإن كان في قلبه التصديق والعلم. وكذلك قال أبو إسحاق الإسفرائيني.

قال الأنصاري: رأيت في تصانيفه أن المؤمن إنما يكون مؤمنًا حقًا إذا حقق إيمانه بالأعمال الصالحة، كما أن العالم إنما يكون عالمًا حقًا إذا عمل بما علم، واستشهد بقول اللّه تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} إلى قوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال 2: 4] وقال ـ أيضًا ـ أبو إسحاق: حقيقة الإيمان في اللغة: التصديق، ولا يتحقق ذلك إلا بالمعرفة والائتمار، وتقوم الإشارة والإنقياد مقام العبارة.

وقال ـ أيضًا ـ أبو إسحاق في كتاب [الأسماء والصفات] : اتفقوا على أن ما يستحق به المكلف اسم الإيمان في الشريعة أوصاف كثيرة، وعقائد مختلفة، وإن/ اختلفوا فيها على تفصيل ذكروه، واختلفوا في إضافة ما لا يدخل في جملة التصديق إليه لصحة الاسم، فمنها ترك قتل الرسول، وترك إيذائه، وترك تعظيم الأصنام، فهذا من التروك، ومن الأفعال نصرة الرسول والذب عنه، وقالوا: إن جميعه يضاف إلى التصديق شرعًا، وقال آخرون: إنه من الكبائر، لا يخرج المرء بالمخالفة فيه عن الإيمان.

قلت: وهذان القولان ليسا قول جهم، لكن من قال ذلك فقد اعترف بأنه ليس مجرد تصديق القلب، وليس هو شيئًا واحدًا، وقال: إن الشرع تصرف فيه، وهذا يهدم أصلهم؛ ولهذا كان حُذَّاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت