فإن جعلوه مؤمنًا، قيل: فإذا بلغه ذلك فكذب به، لم يكن مؤمنا باتفاق المسلمين، فصار بعض الإيمان أكمل من بعض، وإن قالوا: لا يكون مؤمنًا، لزمهم أن لا يكون أحد مؤمنًا حتى يعرف تفصيل كل ما أخبر به الرسول، ومعلوم أن أكثر الأمة لا يعرفون ذلك وعندهم الإيمان لا يتفاضل إلا بالدوام فقط.
قال أبو المعالي: فإن قال القائل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان المنهمك في فسقه كإيمان النبي صلالله عليه وسلم.
/قلنا: الذي يفضل إيمانه على إيمان من عداه باستمرار تصديقه وعصمة اللّه إياه من مُخَامَرَة الشُّكُوك واخْتِلاج الرَّيَب. والتصديق عَرَض من الأعراض لا يبقى وهو متوال للنبي صلى الله عليه وسلم ثابت لغيره في بعض الأوقات، وزائل عنه في أوقات الفترات، فيثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أعداد من التصديق، ولا يثبت لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه لذلك أكثر وأفضل، قال: ولو وصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأريد به ذلك، كان مستقيمًا.
قلت: فهذا هو الذي يفضل به النبي غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا في غاية الفساد من وجوه كثيرة، كما قد بسط في مواضع أخرى.
كتاب الإيمان الأوسط
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
/وقال الشيخ العالم العامل الورع الناسك، شيخ الإسلام، بقية السلف الكرام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشامي ـ رحمه الله:
فصل
تضمن حديث سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن [الإسلام] و [الإيمان] و [الإحسان] وجوابه عن ذلك، وقوله في آخر الحديث: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) .
فجعل هذا كله من الدين.
وللناس في [الإسلام] ، و [الإيمان] من الكلام الكثير، مختلفين تارة، ومتفقين أخرى، ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك، وهذا يكون بأن تبين الأصول المعلومة المتفق عليها، ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها.
فنقول: ما علم من الكتاب، والسنة، والإجماع، وهو من المنقول نقلًا متواترًا /عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ـ دين النبي صلى الله عليه وسلم ـ أن الناس كانوا على عهده بالمدينة ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق ظاهره الإسلام وهو في الباطن كافر.
ولهذا التقسيم أنزل الله في أول سورة البقرة ذكر الأصناف الثلاثة، فأنزل أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين. فقوله تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 2: 5] في صفة المؤمنين.
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} الآيتين [البقرة: 6، 7] في صفة الكفار الذين يموتون كفارًا.
وقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} الآيات [البقرة: 8: 20] في صفة المنافقين، إلى أن ضرب لهم مثلين: أحدهما بالنار، والآخر بالماء، كما ضرب المثل بهذين للمؤمنين في قوله تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الآية [الرعد: 17]