الصفحة 115 من 484

قومها علي دينهم، خائنة لزوجها تدل قومها على أضيافه، كما قال الله تعالى فيها: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم: 10] . وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش فإنه ما بغت امرأة نبي قط؛ إذ نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع وهن الكتابيات، وأما نكاح البغي فهو دِيَاثَة، وقد صان الله النبي عن أن يكون دَيُّوثًا؛ ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب.

/والمقصود أن امرأة لوط لم تكن مؤمنة، ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم تدخل في قوله: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 35] ، وكانت من أهل البيت المسلمين وممن وجد فيه؛ ولهذا قال تعالى: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 36] ، وبهذا تظهر حكمة القرآن؛ حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج، وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود. وأيضًا فقد قال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 35] . ففرق بين هذا وهذا. فهذه ثلاثة مواضع في القرآن.

وأيضًا، فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا، ولم يعط رجلا. فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانًا وتركت فلانًا، وهو مؤمن فقال: (أو مسلم؟) قال: ثم غلبني ما أجد، فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانًا وفلانًا، وتركت فلانًا وهو مؤمن. فقال (أو مسلم؟) مرتين أو ثلاثًا، وذكر في تمام الحديث أنه يعطي رجالا، ويدع من هو أحب إليه منهم؛ خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم.

قال الزهري: فكانوا يرون أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، فأجاب سعدًا بجوابين، أحدهما: أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا. الثاني: إن كان مؤمنًا، وهو أفضل من أولئك فأنا قد أعطى من هو أضعف إيمانًا؛ لئلا يحمله الحرمان على الردة، فيكبه الله في/ النار على وجهه. وهذا من إعطاء المؤلفة قلوبهم.

وحينئذ، فهؤلاء الذين أثبت لهم القرآن والسنة الإسلام دون الإيمان هل هم المنافقون الكفار في الباطن؟ أم يدخل فيهم قوم فيهم بعض الإيمان؟ هذا مما تنازع فيه أهل العلم على اختلاف أصنافهم. فقالت طائفة من أهل الحديث والكلام وغيرهم: بل هم المنافقون الذين استسلموا، وانقادوا في الظاهر ولم يدخل إلى قلوبهم شيء من الإيمان.

وأصحاب هذا القول قد يقولون: الإسلام المقبول هو الإيمان، ولكن هؤلاء أسلموا ظاهرًا لا باطنًا فلم يكونوا مسلمين في الباطن ولم يكونوا مؤمنين. وقالوا: إن الله ـ سبحانه ـ يقول: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] بيانه: كل مسلم مؤمن، فما ليس من الإسلام، فليس مقبولًا يوجب أن يكون الإيمان منه، وهؤلاء يقولون: كل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن، إذا كان مسلمًا في الباطن. وأما الكافر المنافق في الباطن، فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين للثواب باتفاق المسلمين.

ولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأمة وأئمتها، ولا عند أحد من طوائف المسلمين، إلا عند طائفة من المرجئة، وهم الكَرّامية الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق في الظاهر، فإذا فعل ذلك كان مؤمنًا وإن كان مكذبًا في الباطن، وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة، فنازعوا في اسمه لا في/ حكمه، ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة، وهو غلط عليهم. ومع هذا فتسميتهم له مؤمنًا بدعة ابتدعوها، مخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهذه البدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية، دون سائر مقالاتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت