وأمثاله تابوا، لكن الله لم يشرط في الأمر بالعفو عنهم، والصفح والإحسان إليهم التوبة. وكذلك حَاطِبُ بن أبي بَلْتَعَةَ كاتب المشركين بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أراد عمر قتله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطَّلَعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم) .
وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل. وإذا قيل: إن هذا لأن أحدًا من أولئك لم يكن له إلا صغائر، لم يكن ذلك من خصائصه أيضًا. وأن هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم، وأيضًا قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب:
أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، قال تعالى: / {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] ، وقال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَاخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104] ، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25] . وأمثال ذلك.
السبب الثاني: الاستغفار، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أذنب عبد ذنبًا فقال: أي رب، أذنبت ذنبًا فاغفرلي. فقال: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي. ثم أذنب ذنبًا آخر، فقال: أي رب، أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء) ، قال ذلك في الثالثة، أو الرابعة، وفي صحيح مسلم عنه أنه قال: (لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولَجَاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون فيغفر لهم) .
وقد يقال على هذا الوجه: الاستغفار هو مع التوبة، كما جاء في حديث: (ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم مائة مرة) ،وقد يقال: بل الاستغفار بدون التوبة ممكن واقع، وبسط هذا له موضع آخر، فإن هذا الاستغفار إذا كان مع التوبة مما يحكم به عام في كل تائب، وإن لم يكن مع التوبة فيكون في حق بعض المستغفرين، الذين قد يحصل لهم عند الاستغفار من الخشية والإنابة ما يمحو الذنوب، كما في حديث البطاقة بأن قول: لا إله/ إلا الله ثقلت بتلك السيئات؛ لما قالها بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات، وكما غفر للبغي بسقى الكلب لما حصل في قلبها إذ ذاك من الإيمان، وأمثال ذلك كثير.
السبب الثالث: الحسنات الماحية، كما قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مُكَفِّرَاتٌ لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر) ، وقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) ، وقال: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) ، وقال: (من حج هذا البيت فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ،وقال: (فتنة الرجل في أهله وماله وولده، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) . وقال: (من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار حتى فرجه بفرجه) . وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح. وقال: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) .
وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا: الحسنات إنما تكفر الصغائر فقط، فأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة، كما قد جاء في بعض الأحاديث: (ما اجتنبت الكبائر) ،فيجاب عن هذا بوجوه: