الصفحة 123 من 484

بالمتقين، من يتقي الكفر، فقالوا لهم: اسم المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب، كقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 54، 55] ، وأيضا فابنا آدم حين قربا قربانا، لم يكن المقرب المردود قربانه حينئذ كافرًا، وإنما كفر بعد ذلك، إذ لو كان كافرًا لم يتقرب، وأيضًا فما زال السلف يخافون من هذه الآية ولو أريد بها من يتقى الكفر لم يخافوا، وأيضا فإطلاق لفظ المتقين، والمراد به من ليس بكافر، لا أصل له في خطاب الشارع، فلا يجوز حمله عليه.

والجواب الصحيح: أن المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] قال: أخلصه، وأصوبه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه، وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السُّنة، فمن عمل لغير الله ـ كأهل الرياء ـ لم يقبل منه ذلك، كما في الحديث الصحيح يقول الله ـ عز وجل: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري فأنا بريء منه، وهو كله للذي أشركه) . وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا يقبل الله صلاة بغير طُهُور، ولا صدقة من غلول) ، وقال: (لا يقبل الله صلاة/ حائض إلا بخمارٍ) ، وقال في الحديث الصحيح: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي فهو مردود غير مقبول. فمن اتقى الكفر وعمل عملًا ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم. لم يقبل منه، وإن صلى بغير وضوء لم يقبل منه؛ لأنه ليس متقيًا في ذلك العمل، وإن كان متقيا للشرك.

وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 6] ، وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يا رسول الله، أهو الرجل يزني ويسرق، ويشرب الخمر، ويخاف أن يعذب؟ قال: (لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه) .

وخوف من خاف من السلف ألا يتقبل منه، لخوفه ألا يكون أتى بالعمل على وجهه المأمور، وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان، وفي أعمال الإيمان كقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله؛ لخوف ألا يكون آتى بالواجب على الوجه المأمور به، لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق، لا يجوز أن يراد بالآية: أن الله لا يقبل العمل إلا ممن يتقي الذنوب كلها؛ لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقيًا، فإن كان قبول العمل مشروطًا بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له، امتنع قبول التوبة، بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل، فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير،/ لم يخلص من الذنب، بل هو متق في حال تخلصه منه.

وأيضًا، فلو أتى الإنسان بأعمال البر وهو مصر على كبيرة، ثم تاب، لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة، وتقبل منه تلك الحسنات، وهو حين أتى بها كان فاسقًا.

وأيضًا، فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل، وغصب، وقذف ـ وكذلك الذمي إذا أسلم ـ قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه، فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه، لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم، بل يكون مع إسلامه مخلدًا، وقد كان الناس مسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهم ذنوب معروفة وعليهم تبعات، فيقبل إسلامهم، ويتوبون إلى الله ـ سبحانه ـ من التبعات. كما ثبت في الصحيح: أن المغيرة بن شعبة لما أسلم وكان قد رافق قومًا في الجاهلية فغدر بهم، وأخذ أموالهم وجاء فأسلم، فلما جاء عروة بن مسعود عام الحديبية، والمغيرة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف، دفعه المغيرة بالسيف فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت