الصفحة 130 من 484

كل صلاة بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، كما في قوله تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] ، وقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88، الشورى: 10] ، وقوله: {قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: 30] .

فهو قد جمع بين العبادة والتوكل في عدة مواضع؛ لأن هذين يجمعان الدين كله؛ ولهذا قال من قال من السلف: إن اللّه جمع الكتب المنزلة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصل، وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب، وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .

وهاتان الكلمتان هما الجامعتان اللتان للرب والعبد، كما في الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول اللّه سبحانه: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل) قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (يقول العبد: الحمد للّه رب العالمين، يقول اللّه: حمدني عبدي. يقول العبد: الرحمن / الرحيم، يقول اللّه: أثنى على عبدي. يقول العبد: مالك يوم الدين، يقول اللّه: مجدني عبدي. يقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، يقول اللّّه: فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. يقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، يقول اللّه: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل) . فالرب سبحانه له نصف الثناء والخير، والعبد له نصف الدعاء والطلب. وهاتان جامعتان ما للرب سبحانه، وما للعبد، فإياك نعبد للرب، وإاك نستعين للعبد.

وفي الصحيحين عن معاذ ـ رضي اللّه عنه ـ قال: كنت رديفًا للنبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال: (يا معاذ، أتدري ما حق اللّه على العباد؟) قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على اللهّ إذا فعلوا ذلك؟) قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: (حقهم عليه ألا يعذبهم) . والعبادة هي الغاية التي خلق اللّه لها العباد من جهة أمر اللّه ومحبته ورضاه كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي} [الذاريات: 56] ، وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب، وهي اسم يجمع كمال الحب للّه ونهايته، وكمال الذل للّه ونهايته، فالحب الخلي عن ذل، والذل الخلي عن حب لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين؛ ولهذا كانت العبادة لاتصلح إلا للّه، وهي وإن كانت منفعتها للعبد واللّه غني عن العالمين، فهي له من جهة محبته لها ورضاه بها؛ ولهذا كان اللّه أشد فرحًا بتوبة العبد من / الفاقد لراحلته عليها طعامه وشرابه في أرض دوية مهلكة إذا نام آيسًا منها ثم استيقظ فوجدها، فاللّه أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته، وهذا يتعلق به أمور جليلة قد بسطناها وشرحناها في غير هذا الموضع.

والتوكل والاستعانة للعبد؛ لأنه هو الوسيلة والطريق الذي ينال به مقصوده ومطلوبه من العبادة، فالاستعانة كالدعاء والمسألة. وقد روى الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يقول اللّه عز وجل: يا بن آدم، إنما هي أربع: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي. فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي هي لك فعملك أجازيك به أحوج ما تكون إليه، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلىَّ الإجابة، وأما التي بينك وبين خلقي فأت للناس ما تحب أن يأتوا إليك).

وكون هذا للّه وهذا للعبد هو باعتبار تعلق المحبة والرضا ابتداء، فإن العبد ابتداء يحب ويريد ما يراه ملائمًا له، واللّه ـ تعالى ـ يحب ويرضى ما هو الغاية المقصودة في رضاه، ويحب الوسيلة تبعًا لذلك، وإلا فكل مأمور به فمنفعته عائدة على العبد، وكل ذلك يحبه اللّه ويرضاه، وعلى هذا فالذي ظن أن التوكل من المقامات العامة ظن أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا، وهو غلط بل التوكل في الأمور الدينية أعظم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت