الصفحة 135 من 484

وعبادته؛ إذ النافع له هو طاعة اللّه ولا شاء أنفع له من ذلك، وكل ما يستعان به على الطاعة فهو طاعة وإن كان من جنس المباح.

قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لسعد: (إنك لن / تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها في فيِّ امرأتك) ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اللّه يلوم على العجز الذي هو ضد الكيس، وهو التفريط فيما يؤمر بفعله، فإن ذلك ينافى القدرة المقارنة للفعل. وإن كان لا ينافى القدرة المتقدمة التي هي مناط الأمر والنهي.

فإن الاستطاعة التي توجب الفعل تكون مقارنة له، ولا تصلح إلا لمقدورها، كما ذكرها اللّه تعالى في قوله: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} [هود: 20] ، وفي قوله: {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف: 101] . وأما الاستطاعة التي يتعلق بها الأمر والنهي فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا يقترن كما في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) .

فهذا الموضع قد انقسم الناس فيه إلى أربعة أقسام:

قوم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة والطاعة شاهدين لإلهية الرب ـ سبحانه ـ الذي أمروا أن يعبدوه، ولا ينظرون إلى جانب القضاء والقدر والتوكل والاستعانة، وهو حال كثير من المتفقهة والمتعبدة، فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات اللّه ولشعائره يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان؛ لأن الاستعانة باللّه والتوكل عليه واللجأ إلاه والدعاء له هي التي تقوى العبد وتيسر عليه الأمور.

/ولهذا قال بعض السلف: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللّه. وفي الصحيحين عن عبد اللّه بن عمرو؛ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صفته في التوراة: (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب بالأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يجزى بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، فأفتح به أعينًا عميا وآذانًا صُمّا وقلوبًا غُلْفًا بأن يقولوا لا إله إلا اللّه) .

ولهذا روى أن حملة العرش إنما أطاقوا حمل العرش بقولهم: لا حول ولا قوة إلا باللّه. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها كنز من كنوز الجنة) . قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] ، وقال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ إلى قوله: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 173 - 175] ، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنه ـ في قوله: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} قالها إبراهيم الخليل حين ألقى في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم).

وقسم ثان: يشهدون ربوبية الحق وافتقارهم إلاه ويستعينون به، لكن على أهوائهم وأذواقهم، غير ناظرين إلى حقيقة أمره ونهيه ورضاه وغضبه ومحبته، وهذا حال كثير من المفتقرة والمتصوفة؛ ولهذا كثيرًا / ما يعملون على الأحوال التي يتصرفون بها في الوجود، ولا يقصدون ما يرضى الرب ويحبه، وكثيرًا ما يغلطون، فيظنون أن معصيته هي مرضاته، فيعودون إلى تعطيل الأمر والنهي ويسمون هذا حقيقة، ويظنون أن هذه الحقيقة القدرية يجب الاسترسال معها دون مراعاة الحقيقة الأمرية الدينية التي هي تحوى مرضاة الرب ومحبته وأمره ونهيه ظاهرًا وباطنًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت