أوساطها وهو ألا يجعل معصومًا ولا مأثومًا إذا كان مجتهدًا مخطئًا، فلا يتبع في كل ما يقوله، ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده.
والواجب على الناس اتباع مع بعث الله به رسوله، وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء، ووافق قول آخرين لم يكن لأحد أن يلزمه يقول المخالف ويقول: هذاخالف الشرع.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله علية وسلم أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم) وروى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله علية وسلم أنه قال: (لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر) وفي حديث آخر: (إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه) ، وفيه: (لو كان نبى بعدى لكان عمر) ، وكان على بن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ يقول: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. ثبت هذا عنه من رواية الشعبى. وقال ابن عمر: ما كان عمر يقول في شيء: إني لأراه كذا، إلا كان كما يقول. وعن قيس بن طارق قال: كنا نتحدث أن عمر ينطق على لسانه ملك. وكان عمر يقول: /اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون، فإنه تتجلى لهم أمور صادقة.
وهذه الأمور الصادقة التى أخبر بها عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنها تتجلى للمطيعين هي الأمور التى يكشفها الله عز وجل لهم. فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات ومكاشفات؛ فأفضل هؤلاء في هذه الأمة بعد أبى بكر عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ فإن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر.
وقد ثبت في الصحيح تعيين عمر بأنه محدَّث في هذه الأمة، فأى محدث ومخاطب فرض في أمة محمد صلى الله علية وسلم فعمر أفضل منه، ومع هذا فكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يفعل ما هو الواجب عليه، فيعرض ما يقع له على ما جاء به الرسول صلى الله علية وسلم، فتارة يوافقه فيكون ذلك من فضائل عمر كما نزل القرآن بموافقته غيره مرة، وتارة يخالفه فيرجع عمر عن ذلك كما رجع يوم الحديبية لما كان قد رأى محاربة المشركين، والحديث معروف في البخارى وغيره، فإن النبي صلى الله علية وسلم قد اعتمر سنة ست من الهجرة ومعه المسلمون نحو ألف وأربعمائة وهم الذين بايعوه تحت الشجرة، وكان قد صالح المشركين بعد مراجعة جرت بينه وبينهم على أن يرجع في ذلك العام ويعتمر بعد العام القابل، وشرط لهم شروطًا فيها نوع غضاضة على المسلمين في / الظاهر، فشق ذلك على كثير من المسلمين، وكان الله ورسوله أعلم وأحكم بما في ذلك من المصلحة، وكان عمر فيمن كره ذلك حتى قال للنبى صلى الله علية وسلم: يا رسول الله، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: (بلى) قال: أفليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: (بلى) قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا؟! فقال له النبي،: (إنى رسول الله وهو ناصرى، ولست أعصيه) ثم قال: أفلم تكن تحدثنا أنا نأتى البيت ونطوف به؟ قال: (بلى) . قال: (أقلت لك. إنك تأتيه العام؟) قال: لا، قال: (إنك آتيه ومطوف به) فذهب عمر إلى أبى بكر رضي الله عنهما فقال له مثل ما قال النبي صلى الله علية وسلم، فكان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ أكمل موافقة لله وللنبي صلى الله علية وسلم من عمر، وعمر ـ رضي الله عنه ـ رجع عن ذلك، وقال: فعملت لذلك أعمالًا.
وكذلك لما مات النبي صلى الله علية وسلم أنكر عمر موته أولا، فلما قال أبو بكر: إنه مات رجع عمر عن ذلك.
وكذلك في [قتال مانعي الزكاة] قال عمر لأبى بكر: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله علية وسلم: (أمرت أن / أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها) فقال له أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: ألم يقل: (إلا