الصفحة 157 من 484

(سقوط التكليف)

/ سئل الشيخ ـ رحمه الله ـ عن قوم داوموا على [الرياضة] مرة فرأوا أنهم قد تجوهروا، فقالوا: لا نبالي الآن ما عملنا، وإنما الأوامر والنواهي رسوم العوام، ولو تجوهروا لسقطت عنهم، وحاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام، ولسنا نحن من العوام، فندخل في حجر التكليف؛ لأنا قد تجوهرنا، وعرفنا الحكمة فهل هذا القول كفر من قائله؟ أم يبدع من غير تكفير؟ وهل يصير ذلك عمن في قلبه خضوع للنبي صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب:

لا ريب عند أهل العلم والإيمان أن هذا القول من أعظم الكفر وأغلظه. وهو شر من قول اليهود والنصارى، فإن اليهودي والنصراني آمن ببعض الكتاب، وكفر ببعض، وأولئك هم الكافرون حقا كما ذكر أنهم يقرون بأن لله أمرًا ونهيًا، ووعدًا ووعيدًا، وأن ذلك متناول لهم إلى حين الموت. هذا إن كانوا متمسكين باليهودية والنصرانية المبدلة المنسوخة.

وأما إن كانوا من منافقي أهل ملتهم ـ كما هو الغالب على متكلمهم /ومتفلسفهم ـ كانوا شرًا من منافقي هذه الأمة، حيث كانوا مظهرين للكفر ومبطنين للنفاق، فهم شر ممن يظهر إيمانًا ويبطن نفاقًا.

والمقصود أن المتمسكين بجملة منسوخة فيها تبديل خير من هؤلاء الذين يزعمون سقوط الأمر والنهي عنهم بالكلية، فإن هؤلاء خارجون في هذه الحال عن جميع الكتب والشرائع والملل، لا يلتزمون لله أمرًا ولا نهيًا بحال، بل هؤلاء شر من المشركين المستمسكين ببقايا من الملل: كمشركي العرب الذين كانوا مستمسكين ببقايا من دين إبراهيم عليه السلام، فإن أولئك معهم نوع من الحق يلتزمونه، وإن كانوا مع ذلك مشركين، وهؤلاء خارجون عن التزام شيء من الحق، بحيث يظنون أنهم قد صاروا سدى لا أمر عليهم ولا نهي.

فمن كان من قوله هو أنه أو طائفة غيره قد خرجت عن كل أمر ونهي، بحيث لا يجب عليها شيء، ولا يحرم عليها شيء، فهؤلاء أكفر أهل الأرض، وهم من جنس فرعون وذويه، وهم مع هذا لا بد أن يلتزموا بشيء يعيشون به، إذ لا يمكن النوع الإنساني أن يعيش إلا بنوع أمر ونهي، فيخرجون عن طاعة الرحمن وعبادته إلى طاعة الشيطان وعبادته، ففرعون هو الذي قال لموسى: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23] ثم كانت له آلهة يعبدها. كما قال له قومه: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] .

/ولكن كثيرا من هؤلاء لا يطلقون السلب العام، ويخرجون عن ربقة العبودية مطلقًا. بل يزعمون سقوط بعض الواجبات عنهم، أو حل بعض المحرمات لهم، فمنهم من يزعم أنه سقطت عنه الصلوات الخمس لوصوله إلى المقصود وربما قد يزعم سقوطها عنه إذا كان في حال مشاهدة وحضور، وقد يزعمون سقوط الجماعات عنهم استغناء عنها بما هو فيه من التوجه والحضور، ومنهم من يزعم سقوط الحج عنه مع قدرته عليه، لأن الكعبة تطوف به، أو لغير هذا من الحالات الشيطانية، ومنهم من يستحل الفطر في رمضان لغير عذر شرعي زعمًا منه استغناؤه عن الصيام، ومنهم من يستحل الخمر زعمًا منه أنها إنما تحرم على العامة الذين إذا شربوها تخاصموا وتضاربوا دون الخاصة العقلاء، ويزعمون أنها تحرم على العامة الذين ليس لهم أعمال صالحة، فأما أهل النفوس الزكية والأعمال الصالحة، فتباح لهم دون العامة.

وهذه [الشبهة] كانت قد وقعت لبعض الأولين، فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك، فإن قدامة بن عبد الله شربها هو وطائفة وتأولوا قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [المائدة: 93] ، فلما ذكر ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت