الصفحة 169 من 484

ومن الناس من آمن ببعض ما جاءت به الرسل وكفر ببعض، كمن آمن ببعض المرسلين دون بعض، واليهود والنصارى حيث آمنوا بموسى، أو موسى والمسيح معه دون محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا يخاطب الله في القرآن الأميين الذين لم يتبعوا رسولا وأهل الكتاب المصدقين ببعض الرسل، كما في قوله: {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} [آل عمران: 20] ، وفي قوله: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ} [البينة: 1] .

وكمن آمن ببعض صفات الرسالة وكفر ببعض، من الصابئين الفلاسفة ونحوهم؛ الذين قد يقرون بأصل الرسالة، لكن يجعلون الرسول بمنزلة الملك العادل، الذي قد وضع قانونًا لقومه، أو يقولون: إن الرسالة للعامة دون الخاصة، أو في الأمور العملية دون العلمية، أو في الأمور التي يشترك فيها الناس دون الخصائص التي يمتاز بها الكُمَّل، /ويقرون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث الجملة، ويعظمونه، ويقولون: اتفق فلاسفة العالم علي أنه لم يرد إلي الأرض ناموس أعظم من ناموسه، لكنهم مع هذا يكفرون ببعض ما جاء به؛ مثل أن يسوغوا اتباع غير دينه من اليهودية والنصرانية، وقد يسوغون الشرك أيضًا للعامة أو للخاصة؛ مثل أن يسوغوا دعوة الكواكب وعبادتها والسجود لها، وقد يكذبون في الباطن بأشياء مما أخبر بها، ويزعمون أن ما أخبر به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هي أمثال مضروبة لتفهيم العامة ما لا يجوز إظهاره وإبانة حقيقته، وذلك أنهم يجوزون كذبه لمصلحة العامة بزعمهم.

وقد يزعمون أن حقيقة العلم بالله تؤخذ من غيرما جاء به الرسول، وأن من الناس من يكون أعلم بالله منه أو أفضل منه، ونحو ذلك من المقالات، وهذا الضرب ما زال موجودًا، لا سيما مع القرامطة الباطنية، من الإسماعيلية والنصيرية والملوك العبيدية، الذين كانوا يدعون الخلافة، ومع الخرمية، والمزدكية، وأمثالهم من الطوائف، وهؤلاء خواصهم أكفر من اليهود والنصارى، ومن الغالية الذين يقولون بإلهية علي ونحوه من البشر أو نبوته، وهم منافقون زنادقة، لكن في كثير من أتباعهم من يظن أنه مؤمن بالكتب والرسل لما لبسوا عليه أصل قولهم، أو وافقهم في قول بعضهم دون بعض، وأكثر هؤلاء يميلون إلي الرافضة، ومنهم / من ينتسب إلي التصوف، ومنهم من ينتسب إلي الكلام، ومنهم من يدخل مع الفقهاء في مذاهبهم.

وهذا الضرب يكثر في الدول الجاهلية البعيدين عن معرفة الإسلام والتزامه، كما كانوا كثيرين في دولة الديلم والعبيديين ونحوهم، وكما يكثرون في دولة الجهال من الترك ونحوهم من الجهال الذين آمنوا بالرسالة من حيث الجملة من غير علم بتفاصيل ما جاء به الرسول؛ لأن الجهال من الترك وغيرهم بهذا الضرب أشبه منهم بغيرهم؛ فإن هؤلاء لا يوجبون اتباع الرسول علي جميع أهل الأرض، لكنهم قد يرون اتباعه أحسن من اتباع غيره فيتبعونه علي سبيل الاستحباب، أو يتبعون بعض ما جاء به، أو لا يتبعونه بحال، وهم في ذلك مقرون له ولأتباعه.

والمؤمن ببعض الرسالة دون بعض كافر ـ أيضًا ـ كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 150ـ152] ، وقال تعالى ـ يخاطب أهل الكتاب ـ: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85] ، وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت