الصفحة 200 من 484

وفي صحيح مسلم عن جابر: (من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل) . فهذا كلام مبتدأ منه صلى الله عليه وسلم بين فيه في عرفات ـ وهو أعظم مجمع كان له ـ إن من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين. ولم يأمر بقطع ولا فتق، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يشهدوا خطبته وما سمعوا أمره بقطع الخفين، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فَعُلِم أن هذا الشرع الذي شرعه الله على لسانه بعرفات لم يكن شرع بعد بالمدينة، وإنه بالمدينة إنما أرخص في لبس النعلين وما يشبههما من المقطوع، فدل ذلك على أن من عدم ما يشبه الخفين يلبس الخف.

الثالث: أنه دل على أنه يلبس سراويل بلا فتق. وهو قول الجمهور والشافعي وأحمد.

الرابع: أنه دل على أن المقطوع كالنعلين يجوز لبسهما مطلقًا، ولبس ما أشبههما من جمجم ومداس وغير ذلك. وهذا مذهب أبي حنيفة ووجه في مذهب أحمد وغيره، وبه كان يفتي جدي أبو البركات ـ رحمه الله ـ في آخر عمره لما حج.

وأبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ تبين له من حديث ابن عمر: أن المقطوع لبسه أصل لا بدل له، فيجوز لبسه مطلقًا، وهذا فهم صحيح منه دون فهم من فهم أنه بدل.

والثلاثة تبين لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في البدل وهو الخف ولبس السراويل، فمن لبس السراويل إذا عَدِمَ الأصل فلا فدية عليه، وهذا فهم صحيح.

وأحمد فَهِمَ من النص المتأخر الذي شرع فيه البدلان أنه ناسخ للقطع المتقدم. وهذا فهم صحيح.

وأبو حنيفة لم يبلغه هذا فأوجب الفدية على كل من لبس خفا أو سراويل إذا لم يفتقه وإن عدم، كما قال ذلك ابن عمر وغيره، وزاد أن الرخصة في ذلك إنما هي للحاجة، والمحرم إذا احتاج إلى محظور فعله وافتدي.

وأما الأكثرون فقالوا: من لبس البدل فلا فدية عليه، كما أباح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ولم يأمر معه بفدية ولا فتق، قالوا: والناس كلهم محتاجون إلى لبس ما يسترون به عوراتهم وما يلبسونه في أرجلهم، فالحاجة إلى ذلك عامة، وما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم ولم يكن عليهم فيه فدية، بخلاف ما احتيج إليه لمرض أو برد، ومن ذلك حاجة لعارض؛ ولهذا أرخص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء في اللباس مطلقًا من غير فدية، ونهي المحرمة عن النقاب والقفازين، فإن المرأة لما كانت محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستره فدية.

وكذلك حاجة الرجال إلى السراويل والخفاف إذا لم يجدوا الإزار والنعال، وابن عمر ـ رضي الله عنه ـ لما لم يسمع إلا حديث القطع أخذ بعمومه، فكان يأمر النساء بقطع الخفاف، حتي أخبروه بعد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للنساء في لبس ذلك، كما أنه لما سمع قوله: (لا ينفرن أحد حتي يكون آخر عهده بالبيت) أخذ بعمومه في حق الرجال والنساء، فكان يأمر الحائض ألا تنفر حتي تطوف. وكذلك زيد بن ثابت كان يقول ذلك، حتي أخبروهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للحيض أن ينفرن بلا وداع).

وتناظر في ذلك زيد وابن عباس وابن الزبير لما سمعا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير أخذًا بالعموم، فكان ابن الزبير يأمر الناس بمنع نسائهم من لبس الحرير، وكان ابن عمر ينهي عن قليله وكثيره، فينزع خيوط الحرير من الثوب. وغيرهما سمع الرخصة للحاجة، وهو الإرخاص للنساء وللرجال في اليسير وفيما يحتاجون إليه للتداوي وغيره؛ لأن ذلك حاجة عامة.

وهكذا اجتهاد العلماء ـ رضي الله عنهم ـ في النصوص: يسمع أحدهم النص المطلق فيأخذ به، ولا يبلغه ما يبلغ مثله من تقييده وتخصيصه. والله لم يحرم على الناس - في الإحرام ولا غيره ـ ما يحتاجون إليه حاجة عامة، ولا أمر ـ مع هذه الرخصة في الحاجة العامة ـ أن يفسد الإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت