فهرس الكتاب
على المجتهد، أو المفتي نازلةٌ؛ إلا وتوجه ذهنه، وقلبه، إلى القران الكريم؛ يستنجد به للعثور على الدليل المناسب الذي يسعفه في الجواب عن السؤال، أو في تحرير المسألة.
نحن بصدد الكلام عن المستجدات الاقتصادية، ومرجعيتنا إسلاميةٌ؛ وعليه، فيُفترض تطبيق الشريعة الإسلامية، المستمدة من نصوص الوحيين، فهما المرجع في تحرير الأدلة الشرعية، وهما أدوات الاستنباطات الفقهية، ومكان المخارج الشرعية للمعاملات الاقتصادية، ومنطلق الصيغ والمنتجات التمويلية؛ يفتش فيهما الفقيه والمفتي عن الأدلة وآلات الاستنباط، ويتفقد فيهما المهندس المالي المنتجات والصيغ المالية، ويستثمرهما المراقب أو المدقق الشرعي في وضع المعايير، أو تتبع العمليات المصرفية.
فالقرآن الكريم يُستهدى به في مُسْتغلَق الأمور الدينية؛ بل ويُسترشد بهم في بعض مُسْتشكَل الأمور الدنيوية. وتعتبر المعاملات الاقتصادية من أكثر المجالات حاجةً إلى الوحي، فهو محور المالية الإسلامية، وقطب رحاها؛ بحكم أن هذا الميدان قد رام الشريعة الإسلامية، والتي يسهر العلماء على ترشيد تطبيقها، وبثها بين الناس. وما يعتري هذه التطبيقات من قصورٍ أو تقصير فمرده إلى سوء في التطبيق، وليس إلى عيبٍ في الشريعة، والتي تقررت صلاحيتها لكل زمانٍ ومكانٍ، قال علي الشحود:"ومفهوم أن كل أمر أو نهي أو توجيه ورد في القرآن الكريم، كان يواجه حالة واقعة في المجتمع الجاهلي، وكان يتوخى إما إنشاء حالة غير قائمة، وإما إبطال حالة قائمة، فهذه النصوص التي جاءت لتواجه أحوالا بعينها، هي ذاتها التي تواجه الجماعة الإنسانية، في أي طور من أطوارها. وحين نقرأ القرآن نستطيع أن نتبين منه ملامح المجتمع الجاهلي، من خلال أوامره ونواهيه وتوجيهاته كما نستطيع أن نتبين الملامح الجديدة التي يريد أن ينشئها، وأن يثبتها في المجتمع الجديد" [1] .
وإذا علمنا أن كثرة الوقائع الاقتصادية نتج عنه ارتفاعٌ في الطلب على الفتاوى، وأن الإفتاء يتطلب استنفار الاجتهاد في النصوص، فإن القرآن الكريم وتفاسيره وعلومه ملجأٌ
(1) بتصرف وتلخيص: القرآن الكريم في مواجهة الجاهلية، علي بن نايف الشحود، ص: 91 - 92.