وَعَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنْ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، فَلا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ.
وَعَنْ عَبْدَانَ بْنِ عُثْمَانَ الْمَرْوَزِيِّ سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: الإِسْنَادُ مِنْ الدِّينِ، وَلَوْلا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ.
وَعنِ الْعَبَّاسِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ _ يَعْنِي الإِسْنَادَ _.
وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى الطَّالَقَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ إِنَّ مِنْ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ أَنْ تُصَلِّيَ لأَبَوَيْكَ مَعَ صَلاتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ؟، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ؛ عَمَّنْ هَذَا؟، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ؟، فَقَالَ: ثِقَةٌ؛ عَمَّنْ؟، قَالَ: قُلْتُ: عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: ثِقَةٌ؛ عَمَّنْ؟، قَالَ: قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ؛ إِنَّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ وَبَيْنَ النَّبِيِّ مَفَاوِزَ تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ اخْتِلافٌ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَتَقَرَّرَ، وَصَحَّ بِالْبُرْهَانِ وَتَحَرَّرَ، فَكُلُّ مُحَقِّقٍ يَتَيَقَّنُ: أَنَّ الإِسْنَادَ رُكْنُ الشَّرْعِ وَأَسَاسُهُ، فَيَتَمَسَّكُ بِكُلِّ طَرِيقٍ إِلَى مَا يَدُومُ بِهِ دَرْسُهُ لا انْدِرَاسُهُ، وَيَتَمَسَّكُ بِكُلِّ سَبَبٍ مُؤَدٍّ إِلَى بَقَاءِ بَهَائِهِ وَصَفَائِهِ، وَبَهْجَتِهِ وَضِيَائِهِ.
وَبَعْدُ. فَهَذَا ثَبَتٌ مُخْتَصَرٌ بِمَا وَقَعَ لِي مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالأَسَانِيدِ إِلَى الْكُتُبِ السِّتَّةِ الأُصُولِ: الصَّحِيحَيْنِ، وَالسُّنَنِ الأَرْبَعَةِ، وَالَّتِي أَجَازَنِي بِهَا مَشَايِخِي، وَهُمْ كَثِيْرُونَ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَي لُبِّي وَفُؤَادِي، مِمَّنْ أَعُدُّهُمْ عُدَّتِي وَعَتَادِي:
(1) الشَّيْخُ الْحَافِظُ أَبُو خَالِدٍ عَبْدُ الْوَكِيلِ بْنُ عَبْدِ الْحَقِّ بِنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ الْمَكِّيُّ.
(2) الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ زُهَيْرُ بْنُ مُصْطَفَى الشَّاوِيشِ الْحُسَيْنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الْبَيْرُوتِيُّ.
(3) الشَّيْخُ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ الْعَيَّافِ الدَّوْسَرِيُّ الْوَدْعَانِيُّ الطَّائِفِيُّ الْمَكِّيُّ.
(4) الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ أَحْمَدُ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيْمِ الأَزْهَرِيُّ الْمِصْرِيُّ الْقَاهِرِيُّ.
(5) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ إِسْرَائِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ إبْرَاهِيمَ النَّدْوِيُّ السَّلَفِيُّ.
(6) الشَّيْخُ الدُّكُتُورُ أَبُو الْحَارِثِ مَاهِرُ بْنُ يَاسِينْ بْنِ فَحْلٍ الْعِرَاقِيُّ الأَنْبَارِيُّ.
(7) الشَّيْخُ نِظَامُ بْنُ مُحَمَّدِ صَالِحٍ يَعْقُوبِيِّ الْبَحْرَيْنِيُّ.
وَقَدْ وَضَعْتُهُ عَلَى نَسَقٍ بَدِيعٍ، وَتَرْتِيبٍ مَلِيحٍ، فَقَصَرْتُ كُلَّ كِتَابٍ مِنَ السِّتَّةِ: الصَّحِيحَيْنِ، وَالسُّنَنِ الأَرْبَعَةِ عَلَى طُرُقِ وَرِوَايَاتٍ شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِي، وَأَتْبَعْتُهَا بِذِكْرِ أَوَائِلِ وَأَوْاخِرِ أَحَادِيثِ الْكِتَابِ، وَابْتَدَأْتُ بِشَيْخِنَا الْمَكِّيِّ أَبِي خَالِدٍ عَبْدِ الْوَكِيلِ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ اقْتِدَاءًَا بِإِمَامِ الْمُحَدِّثِينَ أبِي عَبْدِ اللهِ الْبُخَارِيِّ، حَيْثَ افْتَتَحَ صَحِيحَهُ بِشَيْخِهِ الْمَكِّيِّ أبِي بَكْرٍ الْحُمَيْدِيِّ، لِشَرَفِ مَكَّةَ وَفَضْلِهَا عَلَى أَمْصَارِ الدُّنْيَا. وَأَلْحَقْتُ بِآخِرِهِ مُخْتَصَرًَا بِرِوَايَاتِي لأَشْهَرِ الْمُسَلْسَلاتِ، وَاقْتَصَرْتُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعَةٍ صِحَاحٍ ثَابِتَةٍ:
(1) الْمُسَلْسَلِ بالأَوَّلِيَّةِ، وَهُوَ حَدِيثُ «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» .
(2) الْمُسَلْسَلِ بِالْمِصْرِيِّينَ، وَهُوَ حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ «فَطَاشَتِ السِّجِلاتُ، وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ» .
(3) الْمُسَلْسَلِ بِالدِّمَشْقِيِّينَ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» .
(4) الْمُسَلْسَلِ بِالْجُثَاءِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ الآنف مَعَ بَيَانِ حَالِ رُوَاتِهِ.
كَمَا ذَكَرْتُ تَعْرِيفًَا بِأَشْهَرِ الأَثْبَاتِ الْمَذْكُورِ مُصَنِّفُوهَا فِي ثَنَايَا ثَبَتِي هَذَا، مَعَ ذِكْرِ طُرُقِي إِلَيْهَا، وَالتَّعْرِيفِ بِبَعْضِهِمْ. وَذَكَرْتُ النَّصَّ الْكَامِلَ لِثَبَتِ «إِجَازَةِ الرِّوَايَةِ» لأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْحَقِّ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيِّ، وَعَلَّقْتُ عَلَى مَوَاضِعِ الْخَطَأِ مِنْهُ بِتَعْلِيقَةٍ سَمَّيْتُهَا «التَّعْرِيفُ بِمَا فِي ثَبَتِ إِجَازَةِ الرِّوَايَةِ مِنْ الأَخْطَاءِ وَالتَّصْحِيفِ» .
وَسَمَّيْتُهُ حِينَ أَتْمَمْتُهُ:
{الدُّرَرُ الْفَوَاخِرْ بِأَسَانِيدِ أَوَائِلِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَالأَوَاخِرْ}