الصفحة 7 من 38

اللهُ تَعَالَى.

إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُ الْمُسْلِمُ صِنَاعَةَ الصُّورِ، وَنَصْبَهَا فِي مَجْلِسِهِ أَوْ دُكَانِهِ، وَهِيَ مِنَ الأَصْنَامِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ الْمُسْلِمُ بَيْعَهَا، وَأَكْلَ ثَمَنِهَا، وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْمُسْنَدِ، وَالسُّنَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ، وَهُوَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ» .

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: فِي تَحْرِيْمِهِ ثَمَنَ الأَصْنَامِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيْمِ بَيْعِ جَمِيعِ الصُّورِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الطِّينِ، وَالْخَشَبِ، وَالْحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ اللُّعَبِ وَنَحْوِهَا.

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيْمِ بَيْعِ الصُّورِ الْمَرْقُومَةِ، وَالْمَأْخُوذَةِ بِالآلَةِ الْفُوتُوغِرَافِيَّةِ، لأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الأَصْنَامِ.

وَمِنْ أَعْظَمِ الصُّورِ تَحْرِيْمًَا عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُبَتَاعِ وَالْمُتَّخِذِ: مَا يُصْنَعُ فِي زَمَانِنَا مِنَ الْمَطَّاطِ عَلَى صُورِ النِّسَاءِ، فَإِذَا نُفِخَتْ لَمْ يُفَرِّقِ الرَّائِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الآدَمِيَّاتِ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ. وَكَثِيْرٌ مِنَ الْكَفَرَةِ، وَمِنْ فُسَّاقٍ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَعْمِلُونَهَا لِلْجِمَاعِ بَدَلَ الآدَمِيَّاتِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ كَالزِّنَا، وَقَدْ فَشَى بَيْعُهَا وَابْتِيَاعُهَا فِي كَثِيْرِ مِنَ الْبِلْدَانِ الَّتِي يَنْتَسِبُ أَهْلُهَا إِلَى الإِسْلامِ مِنْ غَيْرِ نَكِيْرٍ، إِلا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَفْرَادِ قَلِيلِينَ مُسْتَضْعَفِينَ لا يُؤْبَهُ لَهُمْ، وَلا يُسْتَمَعُ إِلَى قَوْلِهِمْ، فَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَبَائِعُ هَذِهِ الصُّورِ الْفَتَّانَةِ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ إِثْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ:

[أَحَدُهُمَا] بَيْعُ الأَصْنَامِ.

[وَالثَّانِي] الإِعَانَةُ عَلَى فِعْلِ الْفَاحِشَةِ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا تُثِيْرُ شَهْوَةَ الرِّجَالِ، كَمَا تُثِيرُهَا الْحَسْنَاءُ مِنَ الآدَمِيَّاتِ، وَتَدْعُو ذَوِي الْقُلُوبِ الْمَرِيضَةِ إِلَى الْفُجُورِ بِهَا، كَمَا تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ الْحَسْنَاءُ مِنَ الآدَمِيَّاتِ.

وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُ الأَمْرَدِ مِمَّنْ عُلِمَ أَنَّهُ يَفْجُرُ بِهِ، وَلا يَبْعُ الأَمَةِ مِمَّنْ يَطَؤُهَا فِي الدُّبُرِ. وَهَكَذَا يُقَالُ فِي بَيْعِ صُورِ النِّسَاءِ وَالْمِرْدَانِ، لأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى مُشْتَرِيَهَا أَنَّهُ إِنَّمَا يَشْتَرِيَهَا لِفِعْلِ الْفَاحِشَةِ بِهَا.

وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جِمَاعَ مَا عَدَا الزَّوْجَاتِ وَالسَّرَارِي، فَقَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (.

فدلت الآية الثانية بمفهومها على أن المجامعين للصور المصنوعة ملومون على جماعها، ودلت الآية الثالثة بالنص على أنهم عادون والله أعلم. فَإِنَّ قَالَ جَاهِلٌ: إِنَّ الصُّورَ الْمَصْنُوعَةَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ فَيَجُوزُ وَطْئُهَا، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

[أحدهما] أَنَّ الصُّورَ مِنَ الأَصْنَامِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ قَرِيبًَا، سَوَاءً فِي ذَلِكَ الْمُجَسَّدُ مِنْهَا، وَغَيْرُ الْمُجَسَّدِ. وَالأَصْنَامُ لا تَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ أَصْلًا لا بِصِنَاعَةٍ، وَلا ابْتِيَاعٍ، وَلا اتَّهَابٍ، وَلا إِرْثٍ، وَلا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ التَّمَلُّكِ، لأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَصِنَاعَتُهَا حَرَامٌ، وَبَيْعُهَا حَرَامٌ، وَابْتِيَاعُهَا حَرَامٌ، وَاتِّخَاذُهَا حَرَامٌ، وَمَتَّى وُجِدَتْ فَالْوَاجِبُ إِتْلافُهَا لأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ.

[الثَّانِي] أنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ الَّذِي أَبَاحَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآيَةِ الْكَرِيْمَةِ خَاصٌّ بِالآدَمِيَّاتِ، فَيَجُوزُ لِلْمَالِكِ، وَإِذَا خَلَوْنَ مِنَ الْمَوَانِعِ، وَمَا عَدَاهُنَّ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ فَهُوَ حَرَامٌ كَالْغِلْمَانِ وَالْبَهَائِمِ، وَمِثْلُ الْغِلْمَانِ فِي التَّحْرِيْمِ أَدْبَارُ الإِمَاءِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيْرَةٌ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا.

(فَصْلٌ)

وَمِنَ الْمُنْكَرِ الْمُسْتَهْجَنِ: تَقْبِيلُ الصُّورِ الْمَصْنُوعَةِ عَلَى صُورِ النِّسَاءِ وَالْمِرْدَانِ الْحِسَانِ، كَمَا يُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ السُّفَهَاءِ، وَكَمَا أَنَّ هَذَا مُسْتَقْبَحٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ، فَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَنْوَاعِ الزِّنَا، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «وَالْفَمُ يَزْنِي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت