فهرس الكتاب
آيات ولو جعل دلالة كل آية لم يخف ما فيه من التطويل، وإظهار شرف القرآن بعدم تطرق التضاد والتناقض إليه مع كثرة هذه الاختلافات والتنوعات، وإعظام أجور الأمة في إفراغهم الجهد في تتبع معاني ذلك واستنباط الحِكَم والأحكام من كل لفظة، وإظهار فضلها إذ لم ينزل كتاب غيرهم إلا على وجه واحد تشريفًا لنبينا عليه الصلاة والسلام. انتهى.
[التحبير في علم التفسير: 128]
النوع الحادي والثاني والثالث والعشرون: المتواتر والآحاد والشاذ
قال البلقيني: اعلم أن القراءات تنقسم إلى متواتر وشاذ.
فالمتواتر: القراءات السبع المشهور، والمراد بذلك: ما قرؤوه من الحركات والحروف دون ما كان من قبيل تأدية اللفظ من أنواع الإمالة، والمد، والتخفيف فليس بمتواتر، نعم أصل المد والإمالة والتخفيف متواتر لاشتراك القراء فيه، وأما ما عدا السبعة من قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع ويعقوب واختيارات خلف التي هي تمام العشر فإنها ليست من المتواتر على الأرجح، ومن جعلها منه من المتأخرين ففي قوله نظر لأن المتواتر في السبع إنما جاء من تلقي أهل الأمصار لها من غير نكير، وقراءة المذكورين لم يتلقها أهل الأمصار كتلقي تلك القراءات والذي يظهر أن هذه القراءات يطلق عليها آحاد، ويلحق بالآحاد: قراءات الصحابة، أما قراءات التابعين كابن جبير ويحيى بن وثاب والأعمش
[التحبير في علم التفسير: 129]
ونحوهم فمعدودة من الشاذ إذ لم تشتهر كباقي العشرة ولو كان في الحديث لأطلق عليه مرسل.
ولا يُقرأ في الصلاة إلا بالمتواتر دون الآحاد والشاذ، ومما يدل على هذا التقسيم أن الأصحاب تكلموا على القراءة الشاذة فقالوا: إن جرت مجرى التفسير والبيان عُمل بها، وإن لم يكن كذلك فإن عارضها خبرٌ، مرفوعٌ قُدم عليها أو قياس ففي العمل بها قولان فأنزلوا قراءة الصحابة منزلة خبر الواحد، والقراءات الثلاث متصلة بالصحابة. انتهى كلامه.
وفيه أنظار في مواضع منه تُعرف بما سنذكره، فقال السبكي في شرح المنهاج: قالوا تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالسبع ولا تجوز
[التحبير في علم التفسير: 130]
بالشاذ، وظاهر هذا يوهم أن غير السبع شاذ، وقد نقل البغوي في تفسيره الاتفاق على القراءة بالثلاث أيضًا. قال: وهذا هو الصواب، قال: الخارج عن السبع منه ما يخالف رسم المصحف فلا شك في تحريم القراءة به، ومنه ما لا يخالفه ولم تشتهر القراءة به بل ورد من طريق غريبة لا يُعوَّل عليها، وهذا يُظهر المنعَ من القراءة به أيضًا.
ومنه ما اشتهر عند أئمة هذا الشأن القراءة به قديمًا وحديثًا، فهذا لا وجه للمنع منه، ومن ذلك قراءة يعقوب وغيره، قال: والبغوي أولى من يُعتمد عليه في ذلك فإنه مُقرئ فقيهٌ جامع للعلوم. قال: وهكذا التفصيل في شواذ السبعة فإن عنهم شيئًا كثيرًا شاذًا، انتهى.
وقال ولده في منع الموانع: القول بأن الثلاثة غير متواترة في غاية السقوط ولا يصح القول به عمن يُعتبر قوله في الدين وهي لا تخالف رسم المصحف، قال: وقد سمعت الشيخ الإمام يعني والده يشدد النكير على بعض القضاة وقد بلغه أنه منع القراءة بها وكذا قال ابن الصلاح في فتاويه: يُشترط أن يكون المقروء به قد تواتر نقله عن رسول الله
[التحبير في علم التفسير: 131]
صلى الله عليه وسلم قرآنًا واستفاض وتلقته الأمة بالقبول، فما لم يوجد فيه ذلك مما عدا السبع أو العشر فممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة، لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع على ما تقرر في الأصول.
وقال ابن الجزري في النشر: كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها سواء كانت عن السبعة أو العشرة أو غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركنٌ من الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أو عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف صرح بذلك أبو عمرو الداني ومكي والعباس المهدوي وأبو شامة ونقل مثله عن الكواشي وأبي حيان قال: وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد
[التحبير في علم التفسير: 132]
منهم خلافه، قال أبو شامة: فلا ينبغي أن يُغتر بكل قراءة تُعزى إلى واحد من الأئمة السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة وأنها هكذا أنزلت إلا إذا دخلت في هذا الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء لم تخرج عن الصحة فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تُنسب إليه فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما ينقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم، ثم قال ابن الجزري: وقولنا في الضابط (ولو بوجه) نريد به وجهًا من وجوه النحو سواءً كان أفصح أو فصيحًا مجمعًا عليه أو مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وكم من قراءة أنكرها بعضُ أهل النحو أو كثير منهم ولم يُعتبر إنكارُهم
[التحبير في علم التفسير: 133]