الصفحة 103 من 105

محضةٌ، وهي التي كانت في الوصلِ؛ ولذا قالَ الشاطبيُّ: (وفي هاءٍ تأنيثٍ) ولم يقلْ: في تاءِ تأنيثٍ، وأمَّا ميمُ الجمعِ نحوَ {عليهم} و {إليكم} فهي تنقسمُ إلى ماتَحَرَّكَ في الوصلِ للجميعِ، نحوَ {وأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} ونحوَه ممَّا يقعُ قبلَ السكونِ، وإلى ما تَحَرَّكَ بالضمِّ أو الكسرِ موصولًا لبعضِ القُرَّاءِ، ويُسَكَّنُ لبعضِهمَ، فأمَّا النوعُ الأَوَّلُ فلا يدخلُه رَوْمٌ ولا إِشْمَامٌ؛ لأنَّ حَرَكَتَه عارضةٌ كَحَرَكَةِ {وَأَنْذِرْ بِه الذِينَ} و {وَأَنْذِرِ النَّاسَ} و {لم يكنِ الذِينَ كَفُرُوا} ، والغرضُ من الرَّومِ والإشمامِ إنَّما هو بيانُ حركةِ الموقوفِ عليه حالةَ الوصلِ باعتبار الأصلِ. وأمَّا النوعُ الثاني فعندَ مَن يقرأُ بالإسكانِ، فلا يدخلانِ فيه على قراءتِه؛ لأنَّهما إنَّما يدخلانِ في المُتَحَرِّكِ، ومَن قرأَ بالضمِّ والصلةِ لم يدخلْ أيضًا على قراءتِه رومٌ ولا إشمامٌ، عندَ الحافظِ أبي عمرٍو الدانيِّ، وأبي القاسمِ الشاطبيِّ رحمهما اللهُ؛ لأنَّ ميمَ الجمعِ لا حركةَ لها في الأصلِ، وإنَّما حركتُها عارضةٌ لأجلِ واوِ الصلةِ والتقاءِ الساكنينِ. وقالَ مكيٌّ يَدْخُلانِ عليه؛ لأنَّ حركتَهما بنائيَّةٌ كهاءِ الكنايةِ، وفرَّقَ الدانيُّ بينَ ميمِ الجمعِ وهاءِ الْكِنَايَةِ، بأنَّ الهاءَ مُحَرَّكَةٌ قبلَ الصلةِ، بخلافِ الميمِ، يعني بدليلِ قراءةِ الجماعةِ، فَعُومِلَتْ حركةُ الهاءِ في الوقفِ مُعَامَلَةَ سائرِ الحركاتِ، ولم يكنْ للميمِ حركةٌ فَعُومِلَتْ بالسكونِ، فهي كالذي يُحَرَّكُ لالتقاءِ الساكنينِ، وهنا قولٌ ثالثٌ فيه تفصيلٌ ذكرَه الشاطبيُّ في قولِه (وفي الهاءِ للإضمارِ قومٌ أَبَوْهُمَا) البيتينِ وحاصلُه أنَّهُ إنْ وقعُ قبلَها ضمَّةٌ أو كسرةٌ أو واوٌ أو ياءٌ، نحوَ {لا نُخْلَفُه} و {بِمُزَحْزِحِهِ} و {عقُلوه} و {لاريبَ فيهِ} فبعضٌ يجيزُ الرَّوْمَ والإشمامَ، وبعضٌ يمنعُهما، فوجهُ الجوازِ إجراؤُه على القاعدةِ، ووجهُ المنعِ استثقالُ الخروجِ مِن ثقيلٍ إلى مِثْلِه والإشارةُ إليه في موضعِ الاستراحةِ، وأمَّا إنْ انْضَمَّت الهاءُ بعدَ فتحةٍ أو ألفٍ، نحوَ {لَهُ} و {نَادَاهُ} دخلَه الرَّوْمُ والإشمامُ بلا خلافٍ؛ لعدمِ العلَّةِ المانعةِ منهما، وأمَّا الحركةُ العارضةُ وهو ما حُرِّكَ لساكنٍ بعدَه مُتَّصِل أو مُنْفَصِل، نحوَ {ولاتَنْسَوُا الْفَضْلَ} و {أَنْذِرِ النَّاسَ} و {يَوْمَئِذٍ} و {حينئذٍ} و {قلْ أُوحِيَ} و {قدْ أَفْلَحَ} و {مِن إسْتَبرَقٍ} فلا يجوزُ في هذا رَوْمٌ ولا إشمامٌ؛ لأنَّ الحركةَ إنَّما عَرَضَتْ لساكنٍ لقيهُ حالَ الوصلِ وزَالَتْ عندَ الوقفِ لذهابِ المُقْتَضِي فلا يُعْتَدُّ بها فلا وجهَ للرَّوْمِ والإشمامِ، بخلافِ نحوَ {مِلءٌ} و {دِفْءٌ} إذا نُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ على ما قبلَها في قراءةِ حمزةَ وهشامٍ، حيثُ قرآ بالرَّوْمِ والإشمامِ فيهما؛ لأنَّها حركةُ الهمزةِ، وهي تدلُّ عليها، فكأنَّ الهمزةَ مَلْفُوظٌ بها، كما صرَّحَ به مكيٌّ، فَنَظَمْتُ هذه الأحكامَ التي في حكمِ المُسْتَثْنَى مِن المرامِ فقلتُ:

وهاءُ تأنيثٍ وعارضُ الكَلَامِ ... ممتنعُ الرَّوْمِ معَ الإشمامِ

ولا يخفى أنَّ العارضَ مِن الحركةِ يشملُ حركةَ ميمِ الجمعِ، فلا يحتاجُ إلى الفرقِ هذا، وفي النَّظْمِ أيضًا تَتَكَرَّرُ الحركةُ، وهو عيبٌ فلو قالَ (بعضُ بركةٍ) برفعِ بعضٍ، على أن تنوينَه بدلٌ من المضافِ إليه، أي: وبعضٌ مِن الحركةِ بركةٌ وكفايةٌ.

وقد خَتَمَ المصنِّفُ مباحثَ علمِ التجويدِ بمباحثِ الوقفِ إيماءً إلى حُسْنِ المقطعِ، ولقد أحسنَ في ذلك وأجادَ فيما أفادَ، واللهُ الهادي إلى الرشادِ، والمُلْهِمُ إلى السدادِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت