فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 153

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مقدمة

الحمدُ للهِ حَمْدًا كثيرًا طيِّبًا مبارَكًا، كما يَنبغي لجلالِ وجهِه وعظيمِ سلطانِه، والصلاةُ والسلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين، سيِّدِنا ونبيِّنَا محمَّدٍ أشرفِ الأنبياءِ والمرسَلين، وعلى آلهِ وصحابتِه أجمعين، ومن اهتَدَى بهداهم واقْتَفَى أثَرَهم إلى يومِ الدِّينِ.

أما بعدُ:

فقد قالَ اللهُ سبحانَه وتعالى في محكَمِ التنزيلِ: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} .

وقالَ تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ، وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهُ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْدَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} .

وقالَ تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعْ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ، وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} .

وقالَ تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

إن فقهَ المواريثِ من العلومِ الشرعيَّةِ الْمُهِمِّةِ، وهذه الآياتُ البيِّناتُ وغيرُها تُبَيِّنُ أن اللهَ تَباركَ وتعالى قد فَرَضَ المواريثَ بعلْمِه وحكْمتِه سبحانَه، وأَعْطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ من الإرْثِ، وسَمَّى هذه الفرائضَ بحدودِه، قالَ العلَّامةُ ابنُ عُثَيْمِينَ: (ووَعَدَ من أَطاعَه في هذه الحدودِ، وتَمَشَّى فيها على ما حَدَّه وفرَضَه جَناتٍ تَجري من تحتِها الأنهارُ خالدًا فيها مع الذين أنْعَمَ اللهُ عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين، وتَوعَّدَ من خالَفَه وتَعَدَّى حدودَه بأن يُدخِلَه نارًا خالدًا فيها وله عذابٌ مُهِينٌ.

كما امتَنَّ بفضلِه علينا بالبيانِ التامِّ حتى لا نَضِلَّ ولا نَهلِكَ فللهِ الحمدُ ربِّ العالمين.

واعلَمْ أنك إذا جَمَعْتَ قولَه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأُولى رَجُلٍ ذَكَرٍ) إلى آياتِ المواريثِ؛ وجَدْتُها قد استَوعَبَتْ عامَّةَ أحكامِ المواريثِ ومُهمَّاتِه) ا هـ.

قالَ ابنُ قُدامَةَ: (قالَ أهلُ العلْمِ: كان التوارُثُ في ابتداءِ الإسلامِ بالحِلْفِ، فكان الرجلُ يقولُ للرجلِ: دَمِي دمُك، ومالي مالُك، تَنصرُني وأَنصرُك، وتَرِثُني وأَرِثُكَ، فيَتعاقدان الحِلْفَ بينَهما على ذلك، فيَتَوارثان به دونَ القرابةِ، وذلك قولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} . ثم نُسِخَ ذلك وصارَ التوارُثُ بالإسلامِ والهجرةِ، فإذا كان له ولدٌ ولم يُهاجِرْ وَرِثَهُ المهاجرون دونَه، وذلك قولُه عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شِيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} . ثم نُسِخَ ذلك بقولِ اللهِ تعالى: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} ا هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت