فهرس الكتاب
أَحَدُهُمَا: أنَّ هؤلاءِ جعلُوا الربَّ الخالقَ عينَ المربوبِ المخلوقِ وأولئكَ النَّصارى جَعَلُوا الرَّبَّ مُتَّحِدًا بِعَبْدِهِ الذِي اصْطَفَاهُ بَعْدَ أنْ كانَا غَيْرَ مُتَّحِدَيْنِ.
الثَّانِي: أنَّ هؤلاءِ جَعَلُوا اتِّحادَ الرَّبِّ ساريًا في كلِّ شيْءٍ في الكلابِ والخنازيرِ، والأقذارِ، والأوْساخِ. وأولئكَ النَّصارى خَصُّوهُ بِمَنْ عَظَّمُوهُ كالمسيحِ [1] .
وتَصوُّرُ هذَا القَوْلِ كافٍ في ردِّهِ، إذْ مقْتَضَاهُ: أنَّ الرَّبَّ والعبدَ شيءٌ واحدٌ، والآكِلُ والمأكولُ شيْءٌ واحدٌ، والنَّاكِحُ والمنكوحُ شيْءٌ واحدٌ، والخَصْمُ والقاضِي شيْءٌ واحدٌ، والمشهودُ لهُ وعليْهِ والشَّاهِدُ شيْءٌ واحدٌ، وهذَا غايةُ ما يكونُ مِنَ السَّفَهِ والضَّلاَلِ.
قالَ الشيخُ رحمهُ اللهُ: وَيُذْكَرُ عَنْ بعْضِهِمْ أَنَّهُ كانَ يَأْتِي ابْنَهُ ويَدَّعِي أنَّهُ اللهُ ربُّ العالمينَ [2] فقبَّحَ اللهُ طائفةً يكونُ إلهُهَا الَّذِي تَعْبُدُهُ هُوَ مَوْطُوءُهَا الّذِي تَفْتَرِشُهُ.
وقالَ ابنُ القَيِّمِ رحِمَهُ اللهُ تعالى في النُّونيَّةِ عنْ هذِهِ الطَّائِفَةِ:
قَالقَوْمُ مَا صَانُوهُ عَنْ إِنْسٍ وَلاَ ... جِنٍّ وَلاَ شَجَرٍ وَلاَ حَيَوَانِ
لَكِنَّهُ المَطْعُومُ وَالمَلْبُوسُ وَالْـ ... مَشْمُومُ والمَسْمُوعُ بِالآذَانِ
وكَذَاكَ قَالُوا إِنَّهُ المَنْكُوحُ وَالْـ ... مَذْبُوحُ بَلْ عَيْنُ الغَوِيِّ الزَّانِي
إلى أَنْ قَالَ:
هَذَا هُوَ المَعْبُودُ عِنْدَهُمُ فَقُلْ ... سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ذَا السُّبْحَانِ
يَا أُمَّةً مَعْبُودُهَا مَوْطُوءُهَا ... أَيْنَ الإِلهُ وَثَغْرُهُ الطَّعَّانِ
يَا أُمَّةً قَدْ صَارَ مِنْ كُفْرَانِهَا ... جُزْءًا يَسِيرًا جُمْلَةُ الكُفْران
فَصْلٌ
وَلاَ يَتِمُّ الإِسلامُ إلا بالبراءةِ مما سواهُ كمَا قالَ اللهُ تعالى عنْ إبراهيمَ الخليلِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [3] . وبَيَّنَ أَنَّ لنَا فيهِ
(1) ر: 2/ 172 مج. ف. ق.
(2) ر: 2/ 378 مج. ف. ق.
(3) سورة الزخرف، الآيات: 26 - 28.