فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 399

لبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ ومَا مَلَكَ.

فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتَّوحيدِ الَّذي هو مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذي مَضْمُونُه أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ، لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، فَضْلًا عن غَيْرِهِمَا فَقَالُوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] .

وكَانُوا يَجْعَلُونَ مِن الحَرْثِ والْأَنْعَامِ نَصِيبًا للَّهِ وللآلهةِ مِثْلَ ذلك، فَإِذَا صَارَ شَيْءٌ مِن الَّذي للَّهِ إلى الَّذي للآلهةِ تَرَكُوه لَهَا، وقَالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ، وإِذَا صَارَ شَيْءٌ مِن الَّذي للآلِهَةِ إلى الَّذي للَّهِ تَعَالَى رَدُّوهُ، وَقَالُوا: اللَّهُ غَنِيُّ، والْآلِهَةُ فَقِيرَةٌ.

فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعَالَى: {وَجَعَلُوا للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] .

وهذا بِعَيْنِهِ يَفْعَلُهُ عُبَّادُ القُبُورِ، بل يَزِيدُونَ عَلَى ذلك فَيَجْعَلُونَ للْأَمْوَاتِ نَصِيبًا مِن الْأَوْلَادِ.

إِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فاعْلَمْ أَنَّ الشِّرْكَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ بالنَّسْبَةِ إلى أَنْوَاعِ التَّوحِيدِ، وكُلٌّ منها قَدْ يَكُونُ أَكْبَرَ وأَصْغَرَ مُطْلَقًا، وَقَدْ يَكُونُ أَكْبَرَ بالنِّسْبَةِ إلى ما هو أَصْغَرُ منه، ويَكُونُ أَصْغَرَ بالنِّسْبَةِ إلى ما هو أَكْبَرُ مِنْهُ.

القِسْمُ الْأَوَّلُ: الشِّرْكُ في الرُّبُوبِيَّةِ، وهو نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: شِرْكُ التَّعْطِيلِ، وهو أَقْبَحُ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ، كَشِرْكِ فِرْعَوْنَ. إذ قالَ: وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ؟ ومِن هَذَا شِرْكُ الفَلَاسِفَةِ القَائِلِينَ بِقِدَمِ العَالَمِ وأَبَدِيَّتِهِ، وأنَّهُ لم يَكُنْ مَعْدُومًا أَصْلًا، بل لم يَزَلْ وَلَا يَزالُ، والحَوَادِثُ بأَسْرِهَا مُسْتَنِدَةٌ عِنْدَهم إلى أَسْبَابٍ ووَسَائِطَ اقْتَضَتْ إِيجَادَهَا، يُسَمُّونَهَا: العُقُولَ، والنُّفُوسَ.

ومِن هَذَا شِرْكُ طَائِفَةِ أَهْلِ وَحْدَةِ الوُجُودِ، كابْنِ عَرَبِيٍّ، وابنِ سَبْعِينَ، والعَفِيفِ التِّلْمِسَانِيِّ، وابنِ الفَارِضِ، ونَحْوِهمِ مِن المَلَاحِدَةِ الَّذينَ كَسَوا الْإِلْحَادَ حِلْيَةَ الْإِسْلَامِ، ومَزَجُوهُ بِشَيْءٍ مِن الحَقِّ، حَتَّى رَاجَ أَمْرُهُم عَلَى خَفَافِيشِ البَصَائِرِ.

ومِن هَذَا شِرْكُ مَن عَطَّلَ أَسْمَاءَ الرَّبِّ وأَوْصَافَهُ، مِن غُلَاةِ الجَهْمِيَّةِ، والقَرَامِطَةِ.

النَّوعُ الثَّانِي: شِرْكُ مَن جَعَلَ مَعَهُ إِلَهًا آخَرَ وَلَمْ يُعَطِّلْ أَسْمَاءَهُ وصِفَاتِهِ وربوبيَّتَهُ، كَشِرْكِ النَّصَارَى الَّذِينَ جَعَلُوهُ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، وشِرْكِ المَجُوسِ القَائِلِينَ بإِسْنَادِ حَوَادِثِ الخَيْرِ إلى النُّورِ وحَوَادِثِ الشَّرِّ إلى الظُّلْمَةِ.

ومِن هَذَا شِرْكُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يُشْرِكُ بالكَوَاكِبِ العُلْوِيَّاتِ، ويَجْعَلُهَا مُدَبِّرَةً لِأَمْرِ هَذَا العَالَمِ، كَمَا هو مَذْهَبُ مُشْرِكِي الصَّابِئَةِ وغَيْرِهِم.

قُلْتُ: ويَلْتَحِقُ بهِ مِن وَجْهٍ شِرْكُ غُلَاةِ عُبَّادِ القُبُورِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَوْلِياءِ تَتَصَرَّفُ بَعْدَ المَوْتِ، فَيَقْضُونَ الحَاجَاتِ، ويُفَرِّجُونَ الكُرُباتِ، ويَنْصُرونَ مَن دَعَاهُم، ويَحْفَظُونَ مَن الْتَجَأَ إِلَيْهِم، وَلَاذَ بِحِمَاهم، فَإِنَّ هذه مِن خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُم في هذا النَّوعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت