فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 399

(1) رفعُ البلاءِ: إزالتُهُ بعدَ حُصولِهِ، ودَفْعُهُ: مَنْعُهُ قبلَهُ، ومن هنا ابْتَدَأَ المُصَنِّفُ في تفسيرِ التَّوحيدِ وشهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ بذِكْرِ شيءٍ مِمَّا يُضَادُّ ذلك من أنواعِ الشِّركِ الأكبرِ والأصغرِ، فإنَّ الضِّدَّ لا يُعْرَفُ إلَّا بِضِدِّهِ.

كمَا قيلَ: وبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأشياءُ.

فمَنْ لا يَعْرِفُ الشِّركَ لم يَعْرِف التَّوحيدَ، وبالعَكْسِ، فبَدَأَ بالأصغرِ الاعْتِقادِيِّ انْتِقالًا من الأَدْنَى إلى الأَعْلَى، فقالَ:

(2) (وَقَوْلُ اللهِ تَعَالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} [الزمر:38] . قالَ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيرِهَا: أي: لا تَسْتَطِيعُ شيئًا مِن الأَمْرِ. {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} أيْ: اللهُ كافٍ مَن تَوَكَّلَ عليهِ، {وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} . كمَا قالَ هُودٌ عليهِ السَّلامُ حينَ قالَ له قومُهُ: {إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هُود: 54 - 56] .

قُلْتُ: حاصِلُهُ أنَّ اللهَ تَعالى أَمَرَ نبيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يَقولَ للمشركينَ: أَرَأَيْتُمْ، أيْ: أَخْبِرُوني عَمَّا تَدْعُونَ من دونِ اللهِ، أي: تَعْبُدُونَهُم وتَسْأَلُونَهُم من الأَنْدادِ والأصنامِ والآلِهةِ المُسَمَّياتِ بأسماءِ الإناثِ الدَّالَّةِ أسماؤُهُنَّ عَلَى بُطْلانِهِنَّ وعَجْزِهِنَّ؛ لأنَّ الأُنوثةَ مِن بابِ اللِّينِ والرَّخاوةِ، كاللَّاتِ والعُزَّى. {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ} أي: بِمَرَضٍ أو فَقْرٍ أو بَلاءٍ أو شِدَّةٍ. {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} أي: لا يَقْدِرُونَ عَلَى ذلك أصلًا. {أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} أي: صِحَّةٍ، وعافيةٍ، وخيرٍ، وكَشْفِ بَلاءٍ. {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} قالَ مقاتلٌ: فَسَألهُمُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسَكَتُوا، أي: لأنَّهُم لا يَعْتَقِدُونَ ذلك فيها، وإنَّما كانُوا يَدْعُونَها عَلَى معنى أنَّهَا وَسائطُ وشُفَعاءُ عندَ اللهِ، لا لأنَّهُم يَكْشِفُونَ الضُّرَّ ويُجِيبُونَ دُعاءَ المُضْطَرِّ، فهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذلك للهِ وحدَهُ، كمَا قالَ تعالى: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل:53،54] . وقد دَخَلَ في ذلك كلُّ مَن دُعِيَ من دونِ اللهِ؛ مِن الملائكةِ والأنبياءِ والصَّالِحِينَ، فَضْلًا عن غَيْرِهِم, فلا يَقْدِرُ أحدٌ عَلَى كَشْفِ ضُرٍّ, ولا إِمْساكِ رحمةٍ, كمَا قالَ تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2] . وإذا كانَ كذلِكَ بَطَلَتْ عِبادتُهُم مِن دونِ اللهِ، وإذا بَطَلَتْ عِبادتُهم فبُطْلانُ دَعْوَةِ الآلهةِ والأصنامِ أَبْطَلُ وأَبْطَلُ، ولُبْسُ الحَلْقَةِ والخَيْطِ لرَفْعِ البَلاءِ, أو دَفْعِهِ كذلِكَ، فهذا وجهُ اسْتِدْلالِ المُصَنِّفِ بالآيةِ, وإن كانَت التَّرجمةُ في الشِّركِ الأصغرِ، فإنَّ السَّلَفَ يَسْتَدِلُّونَ بما نزَلَ في الأكبرِ عَلَى الأصغرِ، كمَا اسْتَدَلَّ حُذَيْفَةُ وابنُ عَبَّاسٍ وغيرُهُمَا، وكذلِكَ مَنْ جَعلَ رُؤوسَ الحُمُرِ ونحوَهَا في البيتِ والزَّرعِ لِدَفْعِ العَيْنِ، كمَا يَفْعَلُهُ أَشْباهُ المشركينَ، فإنَّهُ يَدْخُلُ في ذلك، وقد يَحْتَجُّونَ عَلَى ذلك بما رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ في المَرَاسِيلِ, عن عليِّ بنِ الحُسَيْنِ مَرْفوعًا: (( احْرُثُوا فَإِنَّ الحَرْثَ مُبَارَكٌ، وَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الجَمَاجِمِ ) ). وعنه أَجْوِبةٌ:

أحدُهَا: أنَّهُ حديثٌ ساقِطٌ مُرْسَلٌ، وأبو داودَ لم يَشْتَرِطْ في مَراسِيلِهِ جَمْعَ المَرَاسِيلِ الصَّحيحةِ الإسنادِ، وقد ضَعَّفَهُ السُّيوطيُّ وغيرُهُ.

الثَّانِي: أنَّهُ اخْتُلِفَ في تفسيرِ الجَماجِمِ، فقِيلَ: هي البِذْرُ. ذَكَرَهُ العَزِيزِيُّ في (( شَرْحِ الجَامِعِ ) ). وقِيلَ: الخَشَبةُ الَّتي يَكونُ في رَأْسِهَا سِكَّةُ الحَرْثِ. قالَه أَبُو السَّعاداتِ ابنُ الأَثِيرِ في (( النِّهايةِ ) ). وقيلَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت